أبعث إليك هذا البريد في صباحات الصيف الريفية بألوانها الترابية، ولربّما تدوينة كهذه تحمل برودة الشتاء ودفء القلوب، لكن ظننت أن قراءتها في الأيام الصيفية ستنزل على القلب برداً وسلاماً..
ربما تمتزج كلمة الأم بالسهر والليل، أو قد يكون من انطباعاتي بعد ايام السهر، فالرضيع النائم بالليل قد حسبته أسطورة من الأساطير.. أو هو رزقي الذي جعله الله لي، فلم يكن لي من حلّ إلا أن أصبر حتى تمر مدة الرباط المعهودة.. لا أنسى أمي حينما كانت توبخني على شرب القهوة في العصر، لأنها تهيّج أعصابي، لكنني أدركُ أنه مفعول اليقظة الداخلي الذي لا يهدأ حتى وإن غاب عنه الكافيين..
ربما كتبت هذه الكلمة لكي أربّت على الأمهات المرابطات بالليل، وأذكرهنّ بأن مدة المناوبة في الحراسة لن تطول عن حولين كاملين بإذن الله.. كان الله في عونكِ..
أتركك مع نصّ البريد الآن على المدونة، وأحب قراءة تعليقكِ عليه، فهذا يشعرني بالتفاعل في المدونة وأن القارئة حاضرة بقوّة.. 💕
ونحن نتخيل معالم اليوم السعيد، لا شكَّ أن صوراً من طفولتنا تتدفق منسابة، فننغمس مع حنين الذكريات، وذكرى الأحبة، ولطافة الأوقات.. صور الطفولة مخبأٌ لكنوز المشاعر والمواقف.. قد تكون بعضها قاسيةً أو صعبة الفهم، غير أنَّ البعض يكتنفه الشعور الذي ربّما لا نفهمه إلا لاحقاً..
تسري بداخلنا معتقداتٌ مفادها أن خطة الطفل مثل قالبٍ منفصلٍ نملؤه بما نريد، دون أن نحتاج إلى النظر في قالب يوم الأمّ أوّلاً. فلما تبدأ الأم رحلة الأمومة والتربية بخلفيّة فكرية كهاته، فلا مفرّ من التخبّط والتشتت، بل التيه حتى! يومُ الطفل ينبثق من يوم الأمّ، ولا ينفصل عنه، فبرنامجها الخاص بمثابة معالم رئيسية تُرشدُ إلى طريقه هو، ولذا كان لزاماً أن تعود الأمّ إلى خطة يومها أولاً، فتعيد النظر فيها إما للتعديل أو التقويم أو التبديل. حينها، سيكون يومها الواضحة معالمه بمثابة جسر ممتدّ يُعبر منه إلى الطفل، فيمتد الأثر لأنه كان نابعاً من الجذور، لا مجردّ زينةٍ ملصقةٍ على الفروع، تطير مع الرياح.
في هذا المنشور، صممتُ مجموعة من المحطات التي تمرّ منها الأمّ علدةً في تخطيط يومها، حتى تصلَ إلى الوضوح والعزم، فتعيَ غايتها ورسالتها، ومن ثمَّ تبني يومها تبعاً لذلك. وسمّيت المحطات بتسميات رمزيةٍ كنايةً عن تشبيه محطات رحلتنا بظواهر طبيعية خلقها الله سبحانه وتعالى، فنتفكّر في معانيها ونتعلّم منها، لأنها لم تُخلق عبثاً.
1– محطة البوصلة: أعود إلى هويّتي ورسالتي.
وذلك بتجديد نيّتي في التربية، واستحضار دوري الرسالي والغاية التي أودّ بلوغها.
2- محطة المنبع : أعرف نفسي وجودها، وأقومُ بحقّها.
وهنا أحتاج وعياً بنفسي واحتياجاتها وقدراتها، لكي أحقق التوازن بين الروح والجسد.
3- محطة الورقة : أضع معالم يومي أنا أولاً
قبل التفكير في يوم الطفل، تحتاج الأم إلى هندسة بناء يومها، من منطلق مواقيت الصلاة والفترات الأساسية والثوابت، مع ترك مجال للمرونة والتغيير إن دعت الضرورة إلى ذلك.
4- محطة القمر : أوازن بين أدواري بحكمة.
رفيقتي العزيزة، وظيفتنا تشبه أطوار القمر، تغيرات وظهور فضمور.. يولد الهلال ويكبر ثم يتقلّص.. هكذا كل دور مساحة محددة ومتغيرة من يومنا (أنثى، زوجة، أم، سيدة البيت..).
فلنتذكر ذلك ولنطمئنّ.
قبل ثلاث سنوات فقط، لم أكن لأجدَ وقتاً أجلس فيه لوحدي، بل حقيبة اليد (أقصد صغيري زيد) كان ملازماً لي في السرّاء والضرّاء☺️، في الحرّ والقرّ، والليل والنهار.. الآن كبر ذاك الصغير وصار هو ايضاً يحتاج إلى من يتركه منشغلاً بأفكاره وعالمه..
هي سنوات معدودات وستمرّ، فاصبري وصابري..
5– محطة الجسر : من الجذور إلى الأغصان.
تخيلي يومك كنبتة خضراء أو شتلةٍ يانعة.. ثبتي جذورها، واعتني بها، وتأكدي ان الفروع والأغصان ستتألق تباعاً.
أي اضبطي يومك انت واعتني بما يقيمه من اساسه، ولا تجعلي أولياتك فيه فُضلةً أو فتات وقت.. وردكِ، جلسةُ ذكركِ، وقتُ جلوسكِ لشرب كوب ماء، لا تجعليها من المهام الطائرة التي تنجز سطحياً، بل ركّزي، وحاولي أن تعطيها حقها، وتأكدي أن البقية ستنتظم.. هي مسألة يقين ونيّة، فكوني ذات نية طيبة ويقين راسخ وفأل حسن.
ويبقى الأثر
نحن قدوة لأبنائنا، فلا ينفصل يومنا عن يومهم في أهم المعالم والمقاصد.. لذا ننطلق من تغيير النفس وسعيها نحو غايتها، وسيمتدّ ذلك إلى الأبناء بإذن الله تعالى، فالله لا يضيع أجر المحسنين.
رحلة التخطيط تبدأ من الأم، فهي الجذر والمنبع، ومالأبناء إلا امتداد وفروع لهذه الانطلاقة. نسأل الله التوفيق والسداد والقبول. ونسأله الحكمة والرشد في الأمر
📝 تطبيق عملي: ربما هذه فرصة لتعيدي النظر في يومكِ، هل هو متوافق مع غايتك المنشودة؟ وكيف يمكن أن يغدو أقرب إلى الله وأكثر بركة؟
قد حدثتكِ سابقاً عن تجربة المجتمع الصغير الذي يكون درعاً وسنداً للأولاد في صغرهم، ثم أحببت أن أصدق التبليغ ولا أخفي وجهاً مهماً للحقيقة الواقعية، خصوصاً حينما يكبر الأولاد وتزداد التحديات صعوبةً. والحقيقة إنه حديث ثقيل نقلهُ، لما أخشى من أن يُفهَم بما لا أقصده، أو مُحرّفاً معناه، بيد أني سأحاول أن أبيّن ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله.
3- بين تجربتين مختلفتين
حينما ألاحظ حياتنا في الصناديق الإسمنتية، وأتأمل في مسار يومنا وبيئة أبنائنا، أتحسّر في نفسي : “ماعاد للأسد عرينٌ يتربّى فيه! “.
تلقّيت ردوداً على آخر منشورٍ مراجعة لكتابٍ، وكلّها استحسنت فقرة اقتراحات الكتب، لذلك فكرت أن تكون هذه النشرة ضمن البريد الشهري بعونِ الله، وهذه المرة مع اقتراح فكري بنائيٍ آخر. ☺️
“ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين” للشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله. أعتبره كتاباً تاريخياً تأسيسياً، لما يتميز به من تأصيل تاريخي ووقوف على فهم القضايا والأحداث. بل هو في الأصل يندرج ضمن التاريخ الفكري الذي يُعنى بتقديم قراءة للتاريخ من منظور فكري وثقافي يتجاوز السرد السياسي والعسكري التقليدي.
فلسفة الكتاب تنعكس من خلال عنوانه الفريد، فالاستفهام ب”ماذا” يؤكد حقيقة الخسارة التي طالت العالم بفعل انحطاط المسلمين، وليس الإسلام، لأن تعاليمه راسخة ثابتة لا تنحطّ أبداً.
ونحن في ليلة الخميس الونيس، تذكرتُ أن بداية الأسبوع النفسية عندي قد حلّت، وأنّ هناك منشوراً كتبته ولم أنشره على المدونة. ☺️
رفيقات دورة التخطيط تعوّدن على فكرة تصحيح النظرة للوقت لكي نُحسن التخطيط وتنظيم الأوقات، ورفيقات المدونة أيضاً ستتعوّدن على هذه الرؤية لأن تبنّيها ساعدني على تجاوز كثير من العقبات النفسية في التخطيط والإنجاز، وتقلّص الضغط والتوتر الذي كنت أتخبط فيهما منذ زمن إلى درجة أقلّ بكثير.
دعيني أسرد عليك حكايةً؛
الجمعة لم يكن يومًا عاديًا في بيتنا؛
كان يبدأ بنمطٍ مختلف ومميّز : 🩷رائحة طعام تُطهى على مهل، و أصوات قرآن تتردّد، 🤍وترتيبات صغيرة لا نُعلنها، لكنها تُشعرنا أن هذا اليوم “بداية”.
لا أنسى وقفة أمّي وهي تحضّر الطعام بزيادة، تحسّباً بقدوم ضيف أو إرسال طبق إلى من يستحقه، ولا زالت بارك الله بعمرها وعملها، تعدّ طبقاً زائداً كل جمعة لترسله إلى أحد ما، تقبل الله صدقتها.
كبرنا وبقي هذا الشعور يسكُنني، واغتربتُ وتاه عني الوقت ومعالم المكان وصوت الأذان، لكن ظلّت الجمعة يوما مميزاً.
“أليس الصبح بقريب” للشيخ العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله. هو كتابٌ فريد في طرحه، لما يجمع فيه بين التأصيل الشرعي والتتبع التاريخي لحلقات العلم والمدرسة في العالم العربي الإسلامي، بدءاً من عادات العرب في الجاهلية ثم بزوغ فجر الإسلام وازدهار الحضارة الإسلامية، إلى عصرنا الحديث الذي ظهرت فيه المدرسة بمفهومها الحداثي الغربيّ.
الفصول التي استهوتني قراءتها هي الفصول الأولى، للأصالة والرقي اللذان ينبعثان منها، فيجعلان القارئ يغوص في فلسفة التعليم برؤية مختلفة ومميزة، فيسافر عبر الزمن ليكتشف خصوصية حلقات العلم قديماً، والفرق بين تعليم الذكر والأنثى، والقضية المحورية التي رسمت توجههم ذاك.
يأتي الكتاب بمقاربة تضع بعض الحلول والتجارب الناجحة. ربما سنختلفُ في تلقّينا لها، لكنها تبقى تجارب واقعية مُلهمة ومهمّة.
إنه كتابٌ قيّم أنصح كل من هو مقبل على التعليم أو تعلم أساسيات التدريس بأن يقرأه ويفهمه، قبل أن يتعرض لغبار البيداغوجيات وعجاج فلسفتها ومصطلحاتها، وتناقض ممارساتها ومقارباتها. فهو بذاك يأخذ نصيباً مما ينفعه في عمله دون أن يقع تحت أثر الانبهار والتمجيد والتبعية العمياء.