صَبيٌٌ كالوردِ يحتمي في حضن والده من قطيع الضّباع.
لقطاتٌ تتوالى على شاشةِ التلفازِ؛ ثمَّ صمتٌ يعقُبهُ ظهورُ وجه الأب الواجم تحت تأثير الصدمة. لم يكن الرجّلُ وحدهُ من ذُهلَ وصُدِم، بل الملايين ممّن كانوا يتابعونَ الشاشةَ حينذاكَ وقعَ عليهم ألمُ اللقطة!
ولَقد كانت تلكَ الصورةُ أبشعَ كابوسِ يقظةٍ عرفْته في حياتي!
في كلمة “كابوس”، تختلطُ مشاعرُ الرعبِ والهلعِ والتوجُّس خيفةً، لكن ما يصف حالتي أنا ورفقة جيلي أعمقُ من ذلك؛ إنه الكابوس المغلّف بالحسرة وبالانكسار.
صباحُ الخير يا عائلة المدونة.. هنا التاسعة صباحاً بتوقيت غرينتش، في بلاد المغرب، بشمالهِ الأنيق الشامخ.
كل يومٍ يكبرُ عدد القرّاء، فأشعرُ بأنّ مسؤولية انتقاء الكلمات والرسائل تزدادُ، لاختلاف الأحوال.
لكنني قلتُ في نفسي : هنا بيتٌ نسعى لأن نحيا فيه على الفطرة. نحن الأمهاتُ، نبحثُ عن كلمة طيبة وتجربة صادقة ومرآة للنفس تعكسُ دواخلنا، خاصةً مع تعبِ الرحلة والطريق.
ولا أخفيك بأنه مع الأجواء العامة لاستعدادات العام الدراسي، وطبيعةِ عملي في تصميم البرامج وتقديم خدمات الاستشارات، صرتُ ألمسُ، عاماً بعد عامٍ، تزايُدَ الإقبال على تنمية المهارات، وحالةً مَرضيّةً متجلّيةً في رفع سقف التوقعات عالياً عالياً..فوق ما تتخيّلين‼️
نعم أصِفها بالحالة المَرضية، لأنها تضع غشاوةً على البصر والبصيرة، فلا يرى أحدهم أين موضع قدمه، ولا قدرة أبنائه، ولا الأولويات في حياة المُسلم أساساً.
وهذا لاحظته عند كثير من الأهالي عند التسجيل بالمدارس، إذ يبحثون عن المنتج الخارق ، وهم غير واعين بإمكاناتهم، ولا بواقعية تلك المطالب في الأصل، بل وحتى في الأهالي المعلمين تعليماً منزلياً مرناً حراً،( لنسمّه كما نحبّ)، فلا مراعاة لجهد الأمّ، ولا وعي بكيفية التسيير، ولا بما يريده المرء أصلاً.. هو الشّتات حرفياً.
صدقيني، في كثير من الأحيان، أفكّر بالتراجع عن تقديم تلك الخدمات، لأنها تفتحُ نوافذ موصدةً في عقلي، وتزيد من ثقل المسؤولية، لكنني ما ألبث أن أراجعَ نفسي، لأنني في الأصل اكتفيت بأقلّ القليل من تلك الأعمال، وهو ما يجعل لي دائماً نافذة منفتحةً على الواقع بتغيراته..🌸
وأعودُ إلى النفس؛ أجل.. النفس..
نفسُنا التي بين جنبينا، تصارعُ أهواءها وأمراضها، وتتنازع بين خيرها وشرّها، حتى يغلب أحدهما الآخر. وهذا ينطبق على أحوالنا وقراراتنا وتوقّعاتنا، فما تلك المطالبُ والتوقعات إلا انعكاس لمرآة النفس في الواقع.
فقد تكون توقعاتنا العالية لتخوّف مستقبلي داخلي، أو لشعور بعدم الرّضا، لكننا ننسى أمراً مهمّا :
اللحظات البسيطة
تلك التي تجعلُ الخطوةَ بألفِ ميل.. وقد ذكرت هذه النقطة في سلسلة نشرتها على فيسبوك ثم حذفتها لأن التجاوب كان ضعيفاً، وكانَ المنشور الثالث فيها بعنوان:
-خُطوَةٌ بألف ميل –
وهذا نصّه:
” الشروعُ في التنفيذِ وتقبّلُ النقصِ والإخفاقاتِ هما مفتاحان لنجاح أي خطّة، فالتنظيرُ بدون عملٍ ضربٌ من الخيال والوهم، والسعيُ للكمال دون نقصان ولا فشلٍ هو عذابٌ للقلبِ والرّوح.. نظلّ إنساناً ضعيفاً، لا يقوى إلا بإيمانه وعونِ ربّه. نبقى عباداً مُقصّرين, لا يجبُرهُم إلا عفوُ ربّهم ومغفرته.
فلمَ كسرُ النفسِ وتلطيخُها بوهمِ الكمال والجلدِ؟!
وكيفَ لا تُوَبَّخُ هذه النفسُ إن قصّرت في حقّ ربّها وغفلت عن ذكره وطاعته، لكنها تُنهَكُ جلداً إن لم تلتزم بجدول مهاراتٍ سطّره بشرٌ يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق؟‼️
لقد فهِمنا مبدأ التغيير والسعي للإصلاح على نقيضه تماماً، ولذا صارت أمُّ الرضيع والدّارجِ والغلامِ تجلدُ نفسها لأنّ لائحة المهارات لم تُستكمل كما ينبغي.
أوليست جلسات الإرضاع تلكَ، وحملُ هذا وذاكَ، وإجابةُ أسئلة الصغار، وسائرُ الأوقات؛ مهاراتٍ من الطّراز الرّفيع؟!
إنّك يا أيتها الأمُّ في يومٍ منغمسٍ بمهارات الحياةِ، من صباحه إلى مسائه؛ تحملين كتابكِ فيسألكِ أحدهم : ماهذا؟ وكيف؟ ولم نكتب الكلمة بهذا الشكل؟ ولم لا توجد بداخله صور؟
وترفعين يديك لتكبيرة الإحرامِ فيراكِ في كاملِ إقبالكِ على سجّادتك كذلكَ الجندي المُحارب الذي يأخذ استراحته، فيلمح بريق عينيك وتغلغل الدّمع لشعورك بتقصير في طاعاتك، ويسمع همساتك وأنت تدعين.. فأيَّ مهاراتِ ترجينَ بعد هذه اللحظات الشعورية الفائقة الجمال؟!
صدّقيني يا صديقتي، بعدَ 15 عاماً من الحمل والرضاع والركضِ والجريِ، لا أتحسّر إلا على مشهدِ السجّادة وأرجو أنه لو كان يطول أكثر..
هو ذاكَ المشهد الجماليّ الذي نربّي به أنفسنا وأبناءنا وبيوتنا، وتعمّ السكينةُ مساكننا وقلوبنا. ما حرصنا على أن يلهج القلب واللسان بهذا الدعاء :
” ربّ اجعلني مقيم الصلاةِ ومن ذريتي. ربنا وتقبل دعاء”
ولا أستحضرُ أوقاتاً ذات جمالِ وبهاءِ مثل جلساتي على الأريكة خلال وقت الرضاع، وأنا أقرأ وردي، أو أقرأ كتاباً من السيرة أو قصةً من التراث العربي لأبنائي، أو بعد فراغي من الصلاة حينما يتحلّقون حولي لطرح أسئلتهم، فنسافر على بساطِنا إلى عالم الأدب والسيرة والتاريخ والعلوم والفنون..
تلك الأوقات هي الكنزُ الحقيقي.. أمّا جدولُ تنمية المهارات فواللّه لا يستحقّ أن تُسكَب لأجله دمعةٌ أو تنعقدَ أمعاؤكِ لتأخركِ عمّا سُطّر فيه..
ستقع كلماتي بلسماً على قلوبٍ تسعى لتصغي إلى نداءِ فطرتها، وستُعرِضُ عنها من لا زالت تحت وقع انبهار الصور والبرامج ورييلات الانستغرام.. لكنني واثقةٌ مما أقولُ أكثر من أي وقتِ مضى، ومُوقنةٌ بأنّ هذا هو المنطلق الصحيح والخطوة الأولى في التنفيذ، وهي بمقدار ألف ميلٍ ويزيد لأنها مقياسها بالبركة والتوفيق من عند الله، لا بالجداول المسطرة المنمّقة. ☺️”
ولا أشكُّ للحظةٍ يا صديقتي، بأنّ يومكِ أيضاً لا يخلو من مشهدٍ تشعرين أنه الكنز الحقيقي الذي لا يُقاس بالأرقام..
للحديث بقيّةٌ، نصفها في المسودّات، وستُبصرُ النورَ ذات يومٍ إن كتب الله لها ذلك. أرجو لك يوماً طيبا.
ولربّما هذه فرصة لكي لا نغفل عن ترديد هذا الدعاء في ذكر الصباح والمساء :
“ ياحيُّ يا قيوم، برحمتك أستغيث. أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين”.
من فقرة “كتاب راق لي”، انتَقيتُ هذه المرة كتيّباً جميلا خفيفاً، تنهينه في جلسةٍ واحدة، ولكنه لا ينتهي دون أن يترك في فكركِ أسئلةً وتساؤلات، ويدفعك إلى البحث عن الطريق والاكتشاف.. وحتى تفهمي سياقَ اختياري لهذا العنوان، فسأدعُكِ مع هذه المقدمة الخفيفة.
ونحن نتخيل معالم اليوم السعيد، لا شكَّ أن صوراً من طفولتنا تتدفق منسابة، فننغمس مع حنين الذكريات، وذكرى الأحبة، ولطافة الأوقات.. صور الطفولة مخبأٌ لكنوز المشاعر والمواقف.. قد تكون بعضها قاسيةً أو صعبة الفهم، غير أنَّ البعض يكتنفه الشعور الذي ربّما لا نفهمه إلا لاحقاً..
تسري بداخلنا معتقداتٌ مفادها أن خطة الطفل مثل قالبٍ منفصلٍ نملؤه بما نريد، دون أن نحتاج إلى النظر في قالب يوم الأمّ أوّلاً. فلما تبدأ الأم رحلة الأمومة والتربية بخلفيّة فكرية كهاته، فلا مفرّ من التخبّط والتشتت، بل التيه حتى! يومُ الطفل ينبثق من يوم الأمّ، ولا ينفصل عنه، فبرنامجها الخاص بمثابة معالم رئيسية تُرشدُ إلى طريقه هو، ولذا كان لزاماً أن تعود الأمّ إلى خطة يومها أولاً، فتعيد النظر فيها إما للتعديل أو التقويم أو التبديل. حينها، سيكون يومها الواضحة معالمه بمثابة جسر ممتدّ يُعبر منه إلى الطفل، فيمتد الأثر لأنه كان نابعاً من الجذور، لا مجردّ زينةٍ ملصقةٍ على الفروع، تطير مع الرياح.
في هذا المنشور، صممتُ مجموعة من المحطات التي تمرّ منها الأمّ علدةً في تخطيط يومها، حتى تصلَ إلى الوضوح والعزم، فتعيَ غايتها ورسالتها، ومن ثمَّ تبني يومها تبعاً لذلك. وسمّيت المحطات بتسميات رمزيةٍ كنايةً عن تشبيه محطات رحلتنا بظواهر طبيعية خلقها الله سبحانه وتعالى، فنتفكّر في معانيها ونتعلّم منها، لأنها لم تُخلق عبثاً.
1– محطة البوصلة: أعود إلى هويّتي ورسالتي.
وذلك بتجديد نيّتي في التربية، واستحضار دوري الرسالي والغاية التي أودّ بلوغها.
2- محطة المنبع : أعرف نفسي وجودها، وأقومُ بحقّها.
وهنا أحتاج وعياً بنفسي واحتياجاتها وقدراتها، لكي أحقق التوازن بين الروح والجسد.
3- محطة الورقة : أضع معالم يومي أنا أولاً
قبل التفكير في يوم الطفل، تحتاج الأم إلى هندسة بناء يومها، من منطلق مواقيت الصلاة والفترات الأساسية والثوابت، مع ترك مجال للمرونة والتغيير إن دعت الضرورة إلى ذلك.
4- محطة القمر : أوازن بين أدواري بحكمة.
رفيقتي العزيزة، وظيفتنا تشبه أطوار القمر، تغيرات وظهور فضمور.. يولد الهلال ويكبر ثم يتقلّص.. هكذا كل دور مساحة محددة ومتغيرة من يومنا (أنثى، زوجة، أم، سيدة البيت..).
فلنتذكر ذلك ولنطمئنّ.
قبل ثلاث سنوات فقط، لم أكن لأجدَ وقتاً أجلس فيه لوحدي، بل حقيبة اليد (أقصد صغيري زيد) كان ملازماً لي في السرّاء والضرّاء☺️، في الحرّ والقرّ، والليل والنهار.. الآن كبر ذاك الصغير وصار هو ايضاً يحتاج إلى من يتركه منشغلاً بأفكاره وعالمه..
هي سنوات معدودات وستمرّ، فاصبري وصابري..
5– محطة الجسر : من الجذور إلى الأغصان.
تخيلي يومك كنبتة خضراء أو شتلةٍ يانعة.. ثبتي جذورها، واعتني بها، وتأكدي ان الفروع والأغصان ستتألق تباعاً.
أي اضبطي يومك انت واعتني بما يقيمه من اساسه، ولا تجعلي أولياتك فيه فُضلةً أو فتات وقت.. وردكِ، جلسةُ ذكركِ، وقتُ جلوسكِ لشرب كوب ماء، لا تجعليها من المهام الطائرة التي تنجز سطحياً، بل ركّزي، وحاولي أن تعطيها حقها، وتأكدي أن البقية ستنتظم.. هي مسألة يقين ونيّة، فكوني ذات نية طيبة ويقين راسخ وفأل حسن.
ويبقى الأثر
نحن قدوة لأبنائنا، فلا ينفصل يومنا عن يومهم في أهم المعالم والمقاصد.. لذا ننطلق من تغيير النفس وسعيها نحو غايتها، وسيمتدّ ذلك إلى الأبناء بإذن الله تعالى، فالله لا يضيع أجر المحسنين.
رحلة التخطيط تبدأ من الأم، فهي الجذر والمنبع، ومالأبناء إلا امتداد وفروع لهذه الانطلاقة. نسأل الله التوفيق والسداد والقبول. ونسأله الحكمة والرشد في الأمر
📝 تطبيق عملي: ربما هذه فرصة لتعيدي النظر في يومكِ، هل هو متوافق مع غايتك المنشودة؟ وكيف يمكن أن يغدو أقرب إلى الله وأكثر بركة؟
قد حدثتكِ سابقاً عن تجربة المجتمع الصغير الذي يكون درعاً وسنداً للأولاد في صغرهم، ثم أحببت أن أصدق التبليغ ولا أخفي وجهاً مهماً للحقيقة الواقعية، خصوصاً حينما يكبر الأولاد وتزداد التحديات صعوبةً. والحقيقة إنه حديث ثقيل نقلهُ، لما أخشى من أن يُفهَم بما لا أقصده، أو مُحرّفاً معناه، بيد أني سأحاول أن أبيّن ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله.
3- بين تجربتين مختلفتين
حينما ألاحظ حياتنا في الصناديق الإسمنتية، وأتأمل في مسار يومنا وبيئة أبنائنا، أتحسّر في نفسي : “ماعاد للأسد عرينٌ يتربّى فيه! “.