ونحن نتخيل معالم اليوم السعيد، لا شكَّ أن صوراً من طفولتنا تتدفق منسابة، فننغمس مع حنين الذكريات، وذكرى الأحبة، ولطافة الأوقات.. صور الطفولة مخبأٌ لكنوز المشاعر والمواقف.. قد تكون بعضها قاسيةً أو صعبة الفهم، غير أنَّ البعض يكتنفه الشعور الذي ربّما لا نفهمه إلا لاحقاً..
تسري بداخلنا معتقداتٌ مفادها أن خطة الطفل مثل قالبٍ منفصلٍ نملؤه بما نريد، دون أن نحتاج إلى النظر في قالب يوم الأمّ أوّلاً. فلما تبدأ الأم رحلة الأمومة والتربية بخلفيّة فكرية كهاته، فلا مفرّ من التخبّط والتشتت، بل التيه حتى! يومُ الطفل ينبثق من يوم الأمّ، ولا ينفصل عنه، فبرنامجها الخاص بمثابة معالم رئيسية تُرشدُ إلى طريقه هو، ولذا كان لزاماً أن تعود الأمّ إلى خطة يومها أولاً، فتعيد النظر فيها إما للتعديل أو التقويم أو التبديل. حينها، سيكون يومها الواضحة معالمه بمثابة جسر ممتدّ يُعبر منه إلى الطفل، فيمتد الأثر لأنه كان نابعاً من الجذور، لا مجردّ زينةٍ ملصقةٍ على الفروع، تطير مع الرياح.
في هذا المنشور، صممتُ مجموعة من المحطات التي تمرّ منها الأمّ علدةً في تخطيط يومها، حتى تصلَ إلى الوضوح والعزم، فتعيَ غايتها ورسالتها، ومن ثمَّ تبني يومها تبعاً لذلك. وسمّيت المحطات بتسميات رمزيةٍ كنايةً عن تشبيه محطات رحلتنا بظواهر طبيعية خلقها الله سبحانه وتعالى، فنتفكّر في معانيها ونتعلّم منها، لأنها لم تُخلق عبثاً.
1– محطة البوصلة: أعود إلى هويّتي ورسالتي.
وذلك بتجديد نيّتي في التربية، واستحضار دوري الرسالي والغاية التي أودّ بلوغها.
2- محطة المنبع : أعرف نفسي وجودها، وأقومُ بحقّها.
وهنا أحتاج وعياً بنفسي واحتياجاتها وقدراتها، لكي أحقق التوازن بين الروح والجسد.
3- محطة الورقة : أضع معالم يومي أنا أولاً
قبل التفكير في يوم الطفل، تحتاج الأم إلى هندسة بناء يومها، من منطلق مواقيت الصلاة والفترات الأساسية والثوابت، مع ترك مجال للمرونة والتغيير إن دعت الضرورة إلى ذلك.
4- محطة القمر : أوازن بين أدواري بحكمة.
رفيقتي العزيزة، وظيفتنا تشبه أطوار القمر، تغيرات وظهور فضمور.. يولد الهلال ويكبر ثم يتقلّص.. هكذا كل دور مساحة محددة ومتغيرة من يومنا (أنثى، زوجة، أم، سيدة البيت..).
فلنتذكر ذلك ولنطمئنّ.
قبل ثلاث سنوات فقط، لم أكن لأجدَ وقتاً أجلس فيه لوحدي، بل حقيبة اليد (أقصد صغيري زيد) كان ملازماً لي في السرّاء والضرّاء☺️، في الحرّ والقرّ، والليل والنهار.. الآن كبر ذاك الصغير وصار هو ايضاً يحتاج إلى من يتركه منشغلاً بأفكاره وعالمه..
هي سنوات معدودات وستمرّ، فاصبري وصابري..
5– محطة الجسر : من الجذور إلى الأغصان.
تخيلي يومك كنبتة خضراء أو شتلةٍ يانعة.. ثبتي جذورها، واعتني بها، وتأكدي ان الفروع والأغصان ستتألق تباعاً.
أي اضبطي يومك انت واعتني بما يقيمه من اساسه، ولا تجعلي أولياتك فيه فُضلةً أو فتات وقت.. وردكِ، جلسةُ ذكركِ، وقتُ جلوسكِ لشرب كوب ماء، لا تجعليها من المهام الطائرة التي تنجز سطحياً، بل ركّزي، وحاولي أن تعطيها حقها، وتأكدي أن البقية ستنتظم.. هي مسألة يقين ونيّة، فكوني ذات نية طيبة ويقين راسخ وفأل حسن.
ويبقى الأثر
نحن قدوة لأبنائنا، فلا ينفصل يومنا عن يومهم في أهم المعالم والمقاصد.. لذا ننطلق من تغيير النفس وسعيها نحو غايتها، وسيمتدّ ذلك إلى الأبناء بإذن الله تعالى، فالله لا يضيع أجر المحسنين.
رحلة التخطيط تبدأ من الأم، فهي الجذر والمنبع، ومالأبناء إلا امتداد وفروع لهذه الانطلاقة. نسأل الله التوفيق والسداد والقبول. ونسأله الحكمة والرشد في الأمر
📝 تطبيق عملي: ربما هذه فرصة لتعيدي النظر في يومكِ، هل هو متوافق مع غايتك المنشودة؟ وكيف يمكن أن يغدو أقرب إلى الله وأكثر بركة؟
ونحن في ليلة الخميس الونيس، تذكرتُ أن بداية الأسبوع النفسية عندي قد حلّت، وأنّ هناك منشوراً كتبته ولم أنشره على المدونة. ☺️
رفيقات دورة التخطيط تعوّدن على فكرة تصحيح النظرة للوقت لكي نُحسن التخطيط وتنظيم الأوقات، ورفيقات المدونة أيضاً ستتعوّدن على هذه الرؤية لأن تبنّيها ساعدني على تجاوز كثير من العقبات النفسية في التخطيط والإنجاز، وتقلّص الضغط والتوتر الذي كنت أتخبط فيهما منذ زمن إلى درجة أقلّ بكثير.
دعيني أسرد عليك حكايةً؛
الجمعة لم يكن يومًا عاديًا في بيتنا؛
كان يبدأ بنمطٍ مختلف ومميّز : 🩷رائحة طعام تُطهى على مهل، و أصوات قرآن تتردّد، 🤍وترتيبات صغيرة لا نُعلنها، لكنها تُشعرنا أن هذا اليوم “بداية”.
لا أنسى وقفة أمّي وهي تحضّر الطعام بزيادة، تحسّباً بقدوم ضيف أو إرسال طبق إلى من يستحقه، ولا زالت بارك الله بعمرها وعملها، تعدّ طبقاً زائداً كل جمعة لترسله إلى أحد ما، تقبل الله صدقتها.
كبرنا وبقي هذا الشعور يسكُنني، واغتربتُ وتاه عني الوقت ومعالم المكان وصوت الأذان، لكن ظلّت الجمعة يوما مميزاً.
كانت تنقص هذه القطعةُ في سلسلة التعليم المنزلي، وقد آن وقتُ رصّها في موضعها المناسب. ☺️
يقتربُ شهرُ رمضان، بلّغنا الله إياه، وتزداد حيرة الأم المعلّمة منزلياً بين البرامج والأهداف. ما بين برامج جاهزة تتوق إلى تنفيذها، وبرامج معلّقة لم تكتمل بعدُ، وبين أهداف الرحلة ومسارها، ومعها تبِعاتُ المراحل الإشهادية والتحضير لها. تحارُ الأمُّ، وتبدأ بخطة قياساً على ما سمعتهُ ورأته، لكن الخطّة التي تنطلق من احتياجات الأسرة وإطارها، لا تُعمّر طويلاً.. والتتمة مألوفة مع ما يرافقها مشاعر الحسرة والندم !
تعالي نُرتّب أفكارناً سويّةً، نفكّك الصور الجاهزة في أذهاننا، فنتخلّص من القطع التي لا تنتمي للّوحة الفنية، ونستبدلها بما يناسب.. لو ظلت قطعة ناقصة، فسنبحثُ عنها لأننا نرى النقص، فهذا أفضل من صورة مكتملة بقطع لا أعبّر عن الصورة. فهمتِني ؟
أحببتُ أن أختِمَ سلسلة على أعتاب سنةٍ جديدة بوقفةٍ هي الأهمّ من بين كلّ ما سبق.
إنها البداية الجديدة والانطلاقة السعيدة ☺️
وها هي ذي نفحاتها قد أوشكت على الوصول، وكأني بها تنادي : يا باغيَ الخير شمّر! يا باغي الخير أقبل!
ما أبهجَ أيّام رمضان، وما أصفى أيامه ولياليه.!
دفءٌ في القلوب، وصفاءٌ وقت السحر وقبيل الغروب، وخضوعٌ وذِلّةٌ في النفس!
بركاتٌ ورحمات!
هذه هي البدايات الجميلة حقاً، تُطهر القلب والفكر، وتُنَقّي النفس من الأعماق إن هي وجدت إلى ذلك سبيباً ولم تعُقها العوائق المادّية والصّوارف المشتتة.
دعيني لا أطِل الوصف حتى لا أُفقدَ المشهد جمالهُ، بل سأدعوكِ لكي نذهبَ في رحلةٍ فوقَ بساطِ الجمالِ.
ومازلنا بعدُ في خواتيم شعبان، فإلى شحذ الهمة والاستعداد والتشمير..
🌱مشروع رمضان
فضائل شهر رمضان معلومة، ولا يسعني المجالُ لتفصيلها، ولأنه شهر عظيم، فاعتباره مشروعاً سنوياً من مشاريع العمر يعتبر استثماراً في الوقت، وتزكية للنفس وارتقاءً بها.
وماهو مشروع رمضان؟
لن آتي بجوابٍ من عندي، فما جاءَ بمحكم الآيات والنصوص، ثابتٌ وواضح.
مشروع رمضان الرئيسي الجوهري يا رفيقة هو القرآن
القـــــرآن.
تلاوةً وتدبّراً ومدارسةً وعملاً وغيرها.
فأقل القليل أن نستزيدَ فيه من التلاوة، وأن نسعى لأخذِ القليل من المعاني، والعملِ بأقصى ما يمكنُ..
هل أحثُّكِ على مراجعة محفوظك ؟ أم حضور مجالس التدارس؟
تعلّم التلاوة الصحيحة؟ أم القراءة في التفسير؟
انظري إلى حالكِ، واسلُكي المتاحَ. ولا تترددي أو تتخاذلي.
اجتهدي قدر المستطاع من دون جلدٍ للنفس ولومٍ، بل استحضري أنك في رحلة إقبال وسيرٍ إلى الله، فاستشعري خطواتكِ وأنت تزحفينَ نحو باب التوبة والإنابة، أو تمشين أو تهرولين.. لا تكترثي لبطء الخطوات، الأهم أن تكون متسارعةً خلال الشهر، وأن تشعري بأنك تقتربين، وأن قلبك يتطهّر.
وصلنا إلى الوقفة المهمة والأخيرة على أعتاب سنةٍ جديدة. هي وقفة وعيٍ وتعديل مسار، وفي الآن نفسه هي المفتاح، مفتاح بوابة إنجاز الخطة، والتقدّم في مسارنا.
☘️ نساء من ذهب تعرفين أنني أحب سرد الحكايات، وهي مشاهد عشتها وبقيت صورتها الذهنية وفيض الشعور في قلبي.
وقتُ الضحى من أحبّ الأوقات إليّ، فقد ارتبط في ذاكرتي بإشراقة الشمس، أو قطرات المطر، ورائحة القهوة و الخبز الساخن، مع منظر الستارة الأنيقة المزركشة وهي ترفرف بخفةٍ فوق السرير الوردي المرتب. كان وقتاً لإعلان برنامج اليوم ومشاويره عند جدتي رحمها الله.
من كثرة ما كنت أمكث عندها، صرتُ أميّز الأوقاتبعاداتٍ ارتبطت بها.
الاشتراك لمواصلة القراءة
اشترك للوصول إلى الجزء المتبقي من هذه التدوينة ومحتوى آخر للمشتركين فقط.
وصلت لهذه النقطة، وكِدت أتراجع عن إتمام السلسلة المكتوبة خشيةَ تكرارِ معنى رأيته قد انتشر على نطاق واسعٍ، وهو أمرٌ مُبشّر، ولربما هو عمل الخوارزميات في إظهار المحتوى القريب من أفكارنا! لكنني عزمتُ على نسج خيوط الأفكار التي بدأتها، إذ هي في النهاية قناعتي الشخصية ومبدأ أسعى للالتزام به.
الوقفة في منشور اليوم ليست أمراً جديداً ، لكن التذكير مطلوبٌ في زمن التشتت والكثرة و تداخل التصورات..
الاشتراك لمواصلة القراءة
اشترك للوصول إلى الجزء المتبقي من هذه التدوينة ومحتوى آخر للمشتركين فقط.
حينما أقرأ كتاب “اليوم النبوي” على فتراتٍ متباعدةٍ، أكتشفُ في كل قراءةٍ فائدةً عظيمةً من حياته صلى الله عليه وسلم، فتارةً :
🌱معاني الأوقات المرتبطة بالمشاهد الكونية كالشروق والضحى والغروب وسكون الليل.. 🌱مرونة البرنامج، فتارةً تكونُ مجالسهُ مع أصحابهِ بعد الفجر، وتارةّ بعد الظهرِ.. 🌱بركةُ اليوم إذ تتزاحم فيه أعمال صالحة مباركة، دون أن ينطبع بما نعرفه من ضغط وركض.. يومٌ مبارك..
ومن الفوائد التي قرأتها في خاتمة الكتاب أثارتني عبارة ” يومٌ مُرتّب لكنه ليس رتيباً”.. سبحان الله. كان يومه عليه السلام مُرتّباً منظّماً دون أن تطبعه تلك البرمجة الآلية الجامدة التي تصفُ البرامج اليومية المنظمة في عصرنا..
فقلتُ في نفسي :
يومُ المسلمِ له معالمُ ترسمُ السير، دون أن يكون الطريقُ نفسهُ في كل مرة.. الغايات واضحة : السعي والسير إلى الله والمفتاح معلومٌ : اغتنام الأوقات والقيمةُ العليا: الثبات على الإيمان..
كم هيَ عظيمةٌ مرجعيّتنا! تكفينا عناءَ التخبط والتشتت، وترسم لنا الوجهة والمقصد من غير تحديد قالبٍ موحدٍ صارمٍ يلِجه كل الناس.. وهذا هو المفهوم الذي أحبّ أن نصححه اليوم : وهمُ الجمودِ المتلبّس بتسمية : “ثبات”.
الاشتراك لمواصلة القراءة
اشترك للوصول إلى الجزء المتبقي من هذه التدوينة ومحتوى آخر للمشتركين فقط.