تلقّيت ردوداً على آخر منشورٍ مراجعة لكتابٍ، وكلّها استحسنت فقرة اقتراحات الكتب، لذلك فكرت أن تكون هذه النشرة ضمن البريد الشهري بعونِ الله، وهذه المرة مع اقتراح فكري بنائيٍ آخر. ☺️
“ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين” للشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله.
أعتبره كتاباً تاريخياً تأسيسياً، لما يتميز به من تأصيل تاريخي ووقوف على فهم القضايا والأحداث. بل هو في الأصل يندرج ضمن التاريخ الفكري الذي يُعنى بتقديم قراءة للتاريخ من منظور فكري وثقافي يتجاوز السرد السياسي والعسكري التقليدي.
فلسفة الكتاب تنعكس من خلال عنوانه الفريد، فالاستفهام ب”ماذا” يؤكد حقيقة الخسارة التي طالت العالم بفعل انحطاط المسلمين، وليس الإسلام، لأن تعاليمه راسخة ثابتة لا تنحطّ أبداً.
تناول الكتاب مراحل متنوعة، تتلخّص في عناوين فصوله، وهي في حد ذاتها فواصل تاريخية فارقة:

1– العصر الجاهلي : ويصف فيه حال البشرية قبل الإسلام، وهي حالة ينطبق عليها وصف “الجاهلية العالمية” . فتعميم معنى الجاهلية وعدم حصره في شبه الجزيرة العربية فقط له دلالات عميقة، من بينها أن القرن السادس الميلادي كان من أحط أدوار التاريخ، إذ نسي الإنسان خالقه، وخفتت دعوة الأنبياء من زمن، ففشى الانحراف والفساد، وصارت الإنساسنية في حال احتضار. الجميل في هذا الفصل أنه يمرّ في قراءة مسحيّة لحال العالم، فحبّذا قراءة الفصل بوجود خريطة تسهّل فهم المواضع وتمركزها.
2-من الجاهلية إلى الإسلام: وهنا بدأ بالتذكير بمنهج الأنبياء في الإصلاح والتغيير منذ الأزل، ليستخلص منه مراحل الانتقال من حال الجاهلية إلى الدفاع عن الإسلام وبناء مجتمع إسلامي، وقد استعار لفظة “الانقلاب” المُعاصرة ليشبّه هذا الانتقال ويحدد تأثيره في التاريخ البشري.
3- العصر الإسلامي: و هنا وقف على عصر الخلافة الراشدة وأثره في ظهور ” المدنية الصالحة” التي اتجهت بالدعوة الإسلامية إلى أقطاب الأرض ونشر قيم الدين والإيمان. ولا يتوانى الكاتب أن يجري مقارنات بين الدعوة الإسلامية وبين بعض المواقف والدعوات الفاسدة حول العالم، لكي يبيّن صدق هذه الدعوة وقوّة حجّتها وأسسها. ثم ما لبث أن انتقل إلى وصف بداية التراجع أو ما يسميه “انحطاط” مستحضراً أسس القيادة الإسلامية “الزعامة الإسلامية” وما طغى عليها من تحريفات في العصور التالية ، وهو يرى بأن القيادة في العالم الإسلامي صارت إلى فقر وضعف بعد صلاح الدين الأيوبي. ويصل إلى مرحلة الدولة العثمانية وبداية التراجع رغم التقدم في بعض الجوانب العسكرية، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لمسايرة نهضة أوروبا واستفاقتها.
4– العصر الأوروبي : وقد وصف طبيعة الحضارة الغربية وتاريخها، بدءاً من أمة اليونان (حضارة الإغريق) ثم الرومان وغيرهم.. هذا السرد التاريخي ليس مجرد تقديم جافٍ للأحداث بل هو قراءة متبصّرة في فكر الأمم ومعتقداتها، وانتقالها من الدين إلى المادية المطلقة المحضة. يمكن بأن نلخص موضوع الفصل في : نقد الحضارة الغربية الحديثة.
5- قيادة الإسلام للعالم: إنه فصل الانفراج والأمل بعض طول صفحات تعجّ بالغصّة والحسرة، لما يسترسل فيه من إبراز معالم “التحول الذي يغيّر وجه التاريخ ويُنقذ العالم من الساعة الرهيبة التي ترقبه”. الكاتب يصف مخرجاً لهذه الأمّة ومسؤوليتها في الخروج من هذه الأزمة العالمية، فيذكّرها بالقيادة الأولى التي قامت على “أساس العقيدة الواحدة والإيمان العميق بالله” فهي الطريق التي سلكوها في العهد الأول وتفانوا في سبيلها وجاهدوا فيها.
يستخدم المؤلف مصطلحات معاصرة مثل ” حركات، انقلاب، حكومات، ثورة، قيادة…” وذلك في حديثه عن العمل السياسي والحكم، ولعله السياق التاريخي الذي عاش فيه الكاتب، إذ كانت السبعينيات من القرن الماضي فترة صحوة فكرية وسياسية فريدة، اجتمع فيها نخبة من أهل الحرص والغيرة على هذا الدين لينهضوا بعد آثار النكبة والاستعمار الغربي للعالم الإسلامي، وطبع هذه الأحداث على القلوب بالهزيمة والاستسلام والهروب إلى إيديولوجيات منحرفة أو عقائد باطلة مادية محضة، لذلك أنصح بقراءة سيرة المؤلف “أبو الحسن الندوي” رحمه الله لنفهم قيمة هذه الكلمات في عصره بالذّات، بل وقراءة مقدمات الكتاب كلّها، بما فيها تقديم الأستاذ سيد قطب رحمه الله.
الكتاب قيّم وفريدٌ في طرحه. أنصح كل من يريد فهم التاريخ الإسلامي، بل وتاريخ أوروبا بأن يقرأه ويدوّن منه الفوائد، ثم يمرّ بعدها إلى كتب تأسيسية مثل سلسلة الدكتور راغب السرجاني أو علي الصلابي أو سلاسل الدكتور محمد موسى الشريف أو غيرهم.
تجدين دليلا بالقراءات التاريخية هنا
رابط قراءة الكتاب pdf :
🌱فكرة
من أرادت الانخراط في مشروع قراءة جماعي لتتحفّز وتجتهد، فإني أنصحها بمشروع سنا للقراءة المثمرة، التابع لمركز إرشاد. وهم الآن بصدد قراءة هذا الكتاب 🥰
وإلى صحبة كتابٍ آخر راق لي. 🩷🌱
دمت بخير 🌱
بُشرى الدراز (أمّ عمر)


