حديث ومغزل -3-
هذه خاطرةٌ لا تحكي عن يومٍ من أيام الطفولة، بل هي حياةُ الصور والمشاهد الربانية في الذاكرة.. هي صوتٌ من أيام الطفولة يرتفعُ شيئاً فشيئاً ليصدَحِ بعبارةٍ واحدة : للأماكنِ حياةٌ وتاريخٌ، وللذكرياتِ صفحاتٌ ترسم تاريخنا..
فمنِ الذي سيتوقّف عن الركضِ لهنيهةٍ؛ يرفعُ بصرهُ نحو السماء ليُطيلَ فيها النّظر، أو ليتأمل مشهد الغروب، ثمَّ يحثَّ من حوله على أن يحذوا حَذوه؟!
فَبِمثل هذه الوقفات توقَظُ النفوس الخامدة، وتُروى الأحاسيس الذابلة.. فَهي وقفة تفكّر..
ولي معها حكاياتٌ، ارتأيت أن أروِيَ لكِ إحداها، فتعالي معي لنفردَ خيوط النسيج، ولنا في ذلكَ حديث ومغزل.
🧵🧵🧵🪡🪡🪡🖍️🖍️🖍️🖍️
في حينا القديم، كنت أطلّ من السطح كلما شعرتُ بضيقٍ أو تسلَّلَ إليّ الملل، فأرى أمامي مئذنةَ الحيّ، ثابتةً وعالية، وخلفها جبل بوعنان*. وكانت تلك اللوحة وحدها كفيلة بأن تجعلني أسرح بخيالي، فأنسى المُكدّرات التي دفعتني إلى الصعود واستنشاق هواء نقي في سطح البيت.
وإذا التفتُّ ورائي، تراءى لي جبل درسة*، بقِمّته التي كانت تبدو، للوهلة الأولى، وكأنها قريبة مني. أشبّه وقوفي في شرفة السطح بوقوف أهل بيت حصين لا يستطيع العدو بلوغه. فالجبلان، من الأمام والخلف، كانا بمثابةِ سدّ ومنعة.
حتى في أيام هواء الشرقي، الذي يكون رطبًا وحارًا، كانت السحب تغطي قمم الجبال وكأنّها ساترٌ يحجب عني رؤيةَ حصني المنيع.

تساءلتُ كثيراً، وأنا صغيرةٌ، عمّا وراء تلك القمم:
– هل هذه الجبال آهلة بالسكان؟
– هل يعيشُ هناكَ أطفال مثلي؛ يحملون حقائبهم ويذهبون إلى المدرسة، وهم يتطلعون كل صباح إلى قمة جبلهم الشامخ؟
– هل لهم معلمون مثل معلِّمينا؟
وهل يعيشون حياة ممتعة أم مملّة؟
قد يبدو السؤال غريبًا، بيدَ أنَّهُ لم يكن غريبًا في عالم طفولتي. فقد كنت أطالع وجوه العائلات التي نعرفها، وأحاول أن أخمّن ما تُخفيه : هل هذه عائلة سعيدة حقًّا؟ أم أن لها من المشكلات ما لا يراه الآخرون؟
كانت جدتي تقول دائمًا إن كثيرًا من أصحاب الأموال لديهم مشكلاتهم، وكان أبي يؤكد هذا المعنى من خلال مواقف وحكايات يقصّها علينا بين الحين والآخر. لم أكن أملك يومها القدرة على التمييز بين ما إذا كانا متفقين في الرأي فعلًا، أم أنني كنت أجمع كلامهما في ذهني وأصنع منه فهمي الخاص للحياة؟
ولعل هذا ما كنت أفعله مع كل ما حولي؛ أنظر، ثم أتساءل، ثم أحاول أن أفهم ما لا أراه.
ولهذا ربّما، كانت تبدو لي عائلتي، في كثير من الأحيان،و كأنها الحضن الآمن والكنف السعيد؛ وإن كنتُ، كلما ضاق بي البيتُ أو هاجت الأسئلة في عقلي، ألوذُ بأفقِ السطحِ الفسيح..
🔹 يُحبّنا ونحبًه
أطالعُ جبال الريف الشامخة كلما قطعنا الطريق إلى بلاد الجذور والأصل، فأجدُها على حالِها كما عهِدتُها دائمًا: بهيبتها ورسوخها، لا يغيّرها مرور السنين. وحدهُ مظهرها الخارجي كان يتبدّل، وكأنها تكتسي في كل مرة ثوبًا يليق بهواء المكان الذي جُعِلت فيه، وبثقافة أهله وتاريخهم. وهذا معنى لم أكن أعرف كيف أفسّره آنذاك، لكنني كنت أشعر به بإحساسي البسيط.

في تلك السنوات، كنت أشعر بأن جبل دِرسة، القابع خلف البيت، ليس مكانًا عاديًا. لا بد أنه كان حصنًا قديمًا، أو كهفًا احتمى به هاربونَ من الأخطارِ.
وحتى سفوح جبال بوعنان كانت تثير في نفسي إحساسًا مشابهًا. كانت تحكي لي، بطريقة لا أفهمها، قصصًا أشعر بها ولا أعرف ماهيتها. فظننت أن الأمر لا يعدو أن يكون حالة نفسية تولّدها الألفة؛ إذ اعتدت رؤية تلك اللوحات الربانية البديعة حتى غدت جزءًا من ذاكرتي، وصار لها في داخلي معنى يتجاوز ما تراه العين.
إلى جاءَ ذاك اليومُ الذي غادرتُ فيهِ أرض موطني، فغادرتُ معها الجبال إلى ما أسميه «بلاد القاع». وهناك اختفت معلمتي الخالدة.
وجدت نفسي بين الأشجار والمنبسطات الممتدة، وبدأت فصول حكاية أخرى؛ حكاية ستمنحني بعض الخيوط لأفك بها لغز جبلي الراسخ.
غابت عني المرتفعات، وغابت قمم الجبال التي ألِفتُ على مشاهدتها كل يوم. وصرت أترقب أي تلّة مرتفعة، ولو كانت بسيطة، لأستعيد صورة معلمتي الخالدة، ولكن دون جدوى.
وفي صباح أحد أيام الجمعة، كنت أنتظر دوري لتسميع عشرة أحاديث من الكتاب المقرر، فاستوقفني حديث:
*«سيروا، هذا جُمْذان، سبق المفردون».*
تذكرت قول النبي ﷺ: *«أُحد جبل يحبنا ونحبه».*
وهنا لمع رأس الفكرة في مخيلتي.
النبي ﷺ وذكرُه للجبال في مواقف كثيرة…
تعبدُّه في غار حراء، بجبلِ النور.
ورماةُ أُحُدٍ خلف الجبل.
وشِعب أبي طالب، بين جبال مكة المهيبة.
وفجأةً، اصطفّت في ذهني مجموعةٌ من الصور المتراكمة في حضرة هذا المعنى العميق:
صور من السيرة النبوية، ومن ذاكرة فتح الأندلس، ومن قصص المقاومة الشعبية في المغرب، ومن سيرة عمر المختار، وما سمعته من قصص الأفغان وتحصّنهم بالجبال خلال الغزو الرّوسي وبعده الأمريكي.
لطالما كانت الجبال حصنًا منيعًا سخّره الله تعالى لمن يريدون النجاة من المهالك، أو الفرار إلى الله، أو البحث عن الحق.
لم أكن أتخيّل تأويلات من محض خيالي، بقدر ما كنت أحاول أن أربط تلك المشاعر الجميلة المتداخلة بمعنىً أجدُ له جذورًا في القرآن والسيرة؛ معنىً يُطمئن قلبي ويسدّد خطواتي، حتى لا أتيه وأغوص بعيدًا في الخيالات الحالمة.
وربما يبدو هذا الوصف غريبًا على من اعتاد بيئة المنبسطات والهضاب، أو ألِـف هواء البحر وطلّته، أو تربّى بين واحات الصحراء وألِـف رمالها.
لكنني أجزم أن لكل إنسان، أينما نشأ، مشهدٌ من بديع صنعِ الله، يجدُ فيه معنى عميقًا، وخيطًا يربطه بمعنى كونيّ يزيده إيمانًا.
ففي النهاية: **كل هذا خلقُ اللهِ؛ كلُّه صنعُ البديع، الباري، المصوّر، سبحانه وتعالى.**
🔹 للأماكن ذاكرة أيضاً
حين استقرّت بي الحياة في «بلاد القاع»*، كنت في فترات متتابعة بين دراسة واختيارات وتدريبات ميدانية، ولا أكاد أحصي كمّ المعلومات التي كان يتلقفها ذهني، فيحاول تحليلها وترتيبها. لكن بعض تلك المعلومات لم يدخل فعلًا إلى حيّز الفهم والاستيعاب إلا بعد أن مرّ بمطرقة التجريب.

ومن أكثر التجارب التي حرّكت في داخلي أسئلة كثيرة: الخرجات مع الأطفال إلى المتاحف.
وجدت، مثلًا، أن البطاطس التي كنا نتسلّى بقطعتها النصية: «أنا لا آكل البطاطس» *، قد خُصّص لها متحف كامل يستعرض تاريخها، ومراحل زراعتها وإنتاجها، والأدوات المرتبطة بها، حتى غدَت حبة البطاطس الصغيرة جزءًا من ذاكرة المكان.
وكان هناك متحفٌ للشوكولاتة أيضًا، يحكي تاريخ صناعتها وإنتاج الكاكاو. وبينما كنت أتأمل هذه العنايةَ بالتفاصيل، كانت أسئلة أخرى تدورُ في رأسي حول التاريخ الذي يقف خلف هذه الصناعات، وحول ما تُخفيه الذاكرة الرسميّة أحيانًا من وجوه أخرى للحكاية.(*)

ثم زرت متاحف قد لا تخطر على البال: متحفًا للبرقوق، ولا أنسى لعبة المتاهة في الحقول التي كنا نخرج منها بإعجاب بـ«les pruneaux d’Agen» المميزة، ثم متحفًا للكستناء، ومزرعة تاريخية، ومتاحف أخرى؛ بعضها خرجتُ منه بإعجاب، وبعضها لم أغادرهُ إلا بشعور داخلي من الغضب والأسى.
أجل، الأسى!
أسىً على شجرة الزيتون العتيقة في مغربِـنا،
وعلى الرمّان والبرتقال وماء الزهر وتقاليد صناعته في البيوت، تلك العادةُ الموروثة من بلادِ الأندلس.
تذكرتُ أشجار اللوز اليتيمة في ريفنا، ومنظرها الجميل وهي تزدان بالورود والأزهار.
وتذكرت الصبار (التين الشوكي) بما فيه من منافع جمّة وهو يُصارعُ للبقاء بعد أن صارَ في طور الانقراض.
وأشجار التين المباركة،
وأجبان الجبال الشمالية المميزة، ومناديلنا، والحايك، والشاشية… وما لا ينتهي من الأشياء التي صَنعت ذاكرتنا دون أن تحتاج إلى قاعات عرض.
تذكرتُ كل ذلك، وشعرتُ أن ما نملكه نحنُ لن يسعه متحفٌ واحد، ولا متاحف؛ لأنه خالدُ في ذاكرة القلب، مثل قصص الأبطال الذين نسمع عنهم، أو أولئك الذين مرّوا في التاريخ ولم نسمع عنهم أصلًا.
وهنا أصررت أن أعود لأنبش في تاريخ مدينتي، وأن أبحث عن حكاية جبلي الخالد.
وهنا ولجتُ مغارة علي بابا التي لم أستطِع مغادرتها، لأن تاريخ الأماكن كنز لا ينفد، ومعانيه عميقة حيّة لا تموت.
فدعيني أحكي لك قصة هذا الجبل، وأعدك ألا أطيل أكثر.
🔹 حصن المنظري🔸
قبل فتح الأندلس، كانت تطوان منطقة قليلة السكان، أو لعل الأدق أن نقول: كانت مأوى لمن احتمى بجبالها، وتتبّع مراعيها، وفرّ إليها من هجمات الإسبان والبرتغاليين على السواحل.
وظلت تطوان ملاذًا لمن أراد الابتعاد عن سبتة وعن عيون الإسبان، ثم جاءت محاكم التفتيش وحملات التهجير، فغادر الأندلس نفرٌ كثير؛ اتجه بعضهم إلى القيروان بتونس، وعبر بعضهم البحر نحو المغرب؛ فكانت تطوان وفاس من أبرز مواطن الاستقرار.
وكان بينهم رجل رشيد، هو الحسن المنظري، من عائلة عريقة، وله نصيبه من القيادة والكياسة.
قدم المنظري إلى تطوان، واختار فيها بقعة آمنة لا تستطيع أيدي الإسبان أن تطالها بسهولة. وكأنه أجرى مسحًا شاملاً للمدينة كلها، ثم تخيّر منها البقعة التي تُعرف اليومَ بـ «المدينة القديمة».
لكن قبل أن يختار موضع السكن، اختار أهم مركز: مركز القيادة والدفاع.
فاختار قصبته أسفل جبل درسة، في موقع استراتيجي يمنح نظرة استشرافية واسعة على تطوان، تجمع الجبال والبحر والمنبسطات.
وهناك كان مركز الدفاع؛ موقعًا حصينًا بامتياز، يحمي ظهره جبل راسخ، ويجعل الوصول إليه والتسلل خلفه أمرًا عسيرًا.

ثم سمع أهل القرى المجاورة بهذا الموقع الجديد، فتدفق السكان إليه شيئًا فشيئًا. وبنى المنظري وجماعته المسجد، قلب المدينة، ثم تحصنوا في مدينتهم الجديدة التي تطورت مع الزمن، وصارت لها أبوابها السبعة.
لم يختر المنظري المنطقة المنبسطة من تطوان، كالموقع الأثري تمودة مثلاً، ولا المواقع التي تبدو اليوم أكثر اتساعًا، بل اختار أجود الأماكن التي تجعل تطوان قوية محصنة..
وهذه هي قصة الجبل الراسخ الذي كان يظهر من خلف سطح بيتنا.
أما الجبل الآخر، فله قصة طويلة في عهد الاستعمار الإسباني، وكان لأهله باع طويل في مقاومة المحتلّ والتصدي لهجماته.
وهكذا بدأت أفهم شيئًا كنت أشعر به منذ طفولتي دون أن أعرف له اسمًا.

رأيت كيف يترك تاريخ الأماكن أثرها عليه، فتسير فيها وأنت تستشعر أثراً، وترى بصماتٍ من فترات مضت؟!
🔹 مجالس بين الجبال
حين أبحرت في عالم التعليم وممارساته وفلسفته، صرت أرى كل تطبيقٍ بنظارةٍ عربيةٍ لامرأة مسلمة، فأتساءلُ:
📍كيف يمكنني أن أقدّم هذا النشاط مصحوبًا بآية من القرآن؟
📍كيف أحكي قصص القرآن، وأبتكر لها أنشطة حيّة؟
📍كيف نتحدث العربية، ونحكي قصصها بمتعة وحب، مثلما أرى انسيابية العجم في إبداعهم بلغاتهم؟
كانت المرحلة الأولى من التجريب متصفة بطابع القص واللصق؛
كانت محاولاتي أشبهَ بتحويلِ لباسٍ إسبانيٍّ إلى قفطان تقليدي. نعم القفطان جميل، لكن الثوب والزركشة تظل بلمسة إسبانية..
فقلت: لا لا، هذا لن ينفع! لا نريد استنساخا، بل ابتكاراً أو إنتاجاً منطلقا من منظومتنا..

لا أريد أن أستلهم من آلية جلسة تدريس الكتاب المقدس مراحلَ لتسيير جلسة القرآن، بل ستكون جلسة القرآن للقرآن، دون أن ألتفت لصور الأفكار على الانترنت بكتابة مقاطع من التوراة على بطاقات جميلة وأضعها في سلة !
لا لا..
بل سأتذكر دار الأرقم، وحلقات المسجد النبوي وحديث النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهم يتدارسون القرآن..
لن أحول لعبة سفينة نوح المتوفرة على أمازون أو بطاقاتها إلى نشاط لحكي قصة نوح عليه السلام، بل سأبدأ من سورة نوح، وأبحث في معانيها وأسمع شرحها، حتى أحكيها للصغار وأنا أستحضر ” واستغشوا ثيابهم” ودعاء نوح في خواتيم السورة:
رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28)
ولن أحصُرَ وحدةَ النحلة بصُورِها وبطاقاتها التي تفانيت في تجميعها وطباعتها وقصها.. لست شارلوت ميسون ولا أما معلمة في اسكتلندا.. بل أنا أمّ مغربية مسلمة، حملت في ذاكرتها صوراً كثيرة، ومنها صورة خلية النحل عند عمي في قرية آكني بالرّيف..
فوعيتُ بأننا قد نذوبُ ونحن نبحث عن الصور التعليمية المناسبة (مُدخلات حسية)، وننسى أنّ البيئة لها أثرها في ذلك..
وهنا بدأت تتغير الممارسة شيئا فشيئا، وانتقلت من الاستنساخ إلى العمل بعلمٍ، ومن الصورة الرمزية الغربية إلى البحث عن المعنى العميق، ومن التطبيق المستورد إلى تغيير النفس وإصلاحها..
وهنا كانت مجالسنا في الطبيعة، في قلب جبال تطوان، وفي باديتها، وحول وديانها.

تحلّقنا لنلاحظ ونفهم، ونتتبع آثار رحمة الله بعباده وبديع صنعه. فرأينا الطبيعة بعيون تفكّرية؛ و البساتينَ اليانعة في قوله تعالى: ﴿وَحَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾، البحر والرمال في قوله تعالى: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾.
تحلّقنا حول معنى من معاني آية، أو موقف من التاريخ. وانشغل الصغار بالتشويش ونبش التراب، فيما كنّا، نحن الأمهات، متعطشات للتعلم ولأن نعيش هذه اللحظات وهذه المعاني،
وكأننا نقول من خلالها :
لنا فلسفتنا، ولكم فلسفتكم.
لنا منهجيتنا التربوية، ولكم منهجياتكم.
لنا كتابنا، ولكم كتبكم.
لنا مرجعنا، ولكم مصادركم.
أيها المتباهون بغبار الكلمات العابرة،
آن أن ننصرف عن مهرجانكم!
فقد أدركنا بأن سعادتنا في العودة إلى المنبع!
وهنا يتراءى أمامي الجبل بشموخه وأبّهته، فأتخيّل حلقات العلم، وخيمة الكشّافة، وجولات المشي بأثر قوله تعالى: ﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، و﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾.
وتتدفق الصور الجميلة، والمعاني المعطّرة بمجالس الصحابة حول النبي ﷺ، وبكلام العرب ووصفهم للناقة والفصيل والقمر والشوك والظبي، وبذاكرة الأجداد في الدفاع عن أرضهم.
فأشعر أن المعاني التي تستحق أن تُروى لأبنائنا، وأن تُعاش وتُجرّب معهم، لا تُحصى.

لكننا لن نجدها في استنساخ تجارب الآخرين، وإنما في العودة إلى الله، والتفكر في خلقه، وبذل الجهد، وتغيير النفس؛ فَـ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
🔹 لغز الجبل
وهكذا فهمت شيئًا من سرّ تلك الجبال التي رافقتني منذ طفولتي.
لقد سخّر الله لي صورها الراسخة لتخفف عني ألم البعد والفقد والهم، ثم لتقودني، بعد سنوات، إلى معنى آخر لم أكن أعرفه يوم كنت أقف على سطح بيتنا وأتأملها.

ولعل حول كل واحدة منا مشهدًا كونيًا مهيبًا يستحق أن تطيل فيه النظر، وأن تعمل فيه الفكر. فكل مشهد نراه ليس إلا قطعة صغيرة من مشهد أعظم، ومن آيات لا تنتهي؛ كلها تردّنا إلى معنى واحد:
أن نتأمل خلق الله، فنرى فيه آثار عظمته، وبديع صنعه، ونجد لأنفسنا طريقًا إليه.
وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) الذاريات
