حديث ومغزل -3-
هذه خاطرةٌ لا تحكي عن يومٍ من أيام الطفولة، بل هي حياةُ الصور والمشاهد الربانية في الذاكرة.. هي صوتٌ من أيام الطفولة يرتفعُ شيئاً فشيئاً ليصدَحِ بعبارةٍ واحدة : للأماكنِ حياةٌ وتاريخٌ، وللذكرياتِ صفحاتٌ ترسم تاريخنا..
فمنِ الذي سيتوقّف عن الركضِ لهنيهةٍ؛ يرفعُ بصرهُ نحو السماء ليُطيلَ فيها النّظر، أو ليتأمل مشهد الغروب، ثمَّ يحثَّ من حوله على أن يحذوا حَذوه؟!
فَبِمثل هذه الوقفات توقَظُ النفوس الخامدة، وتُروى الأحاسيس الذابلة.. فَهي وقفة تفكّر..
ولي معها حكاياتٌ، ارتأيت أن أروِيَ لكِ إحداها، فتعالي معي لنفردَ خيوط النسيج، ولنا في ذلكَ حديث ومغزل.
🧵🧵🧵🪡🪡🪡🖍️🖍️🖍️🖍️
في حينا القديم، كنت أطلّ من السطح كلما شعرتُ بضيقٍ أو تسلَّلَ إليّ الملل، فأرى أمامي مئذنةَ الحيّ، ثابتةً وعالية، وخلفها جبل بوعنان*. وكانت تلك اللوحة وحدها كفيلة بأن تجعلني أسرح بخيالي، فأنسى المُكدّرات التي دفعتني إلى الصعود واستنشاق هواء نقي في سطح البيت.
وإذا التفتُّ ورائي، تراءى لي جبل درسة*، بقِمّته التي كانت تبدو، للوهلة الأولى، وكأنها قريبة مني. أشبّه وقوفي في شرفة السطح بوقوف أهل بيت حصين لا يستطيع العدو بلوغه. فالجبلان، من الأمام والخلف، كانا بمثابةِ سدّ ومنعة.
حتى في أيام هواء الشرقي، الذي يكون رطبًا وحارًا، كانت السحب تغطي قمم الجبال وكأنّها ساترٌ يحجب عني رؤيةَ حصني المنيع.
