أبعث إليك هذا البريد في صباحات الصيف الريفية بألوانها الترابية، ولربّما تدوينة كهذه تحمل برودة الشتاء ودفء القلوب، لكن ظننت أن قراءتها في الأيام الصيفية ستنزل على القلب برداً وسلاماً..
ربما تمتزج كلمة الأم بالسهر والليل، أو قد يكون من انطباعاتي بعد ايام السهر، فالرضيع النائم بالليل قد حسبته أسطورة من الأساطير.. أو هو رزقي الذي جعله الله لي، فلم يكن لي من حلّ إلا أن أصبر حتى تمر مدة الرباط المعهودة.. لا أنسى أمي حينما كانت توبخني على شرب القهوة في العصر، لأنها تهيّج أعصابي، لكنني أدركُ أنه مفعول اليقظة الداخلي الذي لا يهدأ حتى وإن غاب عنه الكافيين..
ربما كتبت هذه الكلمة لكي أربّت على الأمهات المرابطات بالليل، وأذكرهنّ بأن مدة المناوبة في الحراسة لن تطول عن حولين كاملين بإذن الله.. كان الله في عونكِ..
أتركك مع نصّ البريد الآن على المدونة، وأحب قراءة تعليقكِ عليه، فهذا يشعرني بالتفاعل في المدونة وأن القارئة حاضرة بقوّة.. 💕
🍃🍃🍃🍃🍃
📍مهدٌ في بلاد القاع
الساعة تُشير إلى الخامسة مساءً.
تتساقط الثلوج كحبّاتِ اللؤلؤ، فيسطعُ نورٌ خافتٌ لم تعتد على رؤيته في أوقات الغروب.. إننا في حيٍّ شعبي من أحياء بروكسيل الرمادية، وسط أجوائها الباردة وشتائها الطويل القاسي. هنا مواقيتُ الصلاة متقاربة، وليلٌ طويل، لا يحلو فيه الرّقاد لرضيعٍ متوقّدة عيناهُ كأنما أُرضِع الكافيين بزيادة..
مالذي تراه يُسلّي هذه الأم الجديدة في يومٍ طويل تقضيه مع وليدها، دون رفقة تجلس معها، وتتبادل معها الأحاديث ؟!
نتساءل حقاً كيف تشغلُ الأمّهات أوقاتهنّ، فنتصور أمّ الطفل الواحد متنعّمةً في أوقات فراغٍ وفسحةٍ ونعيم.‼️
ننسى أنها تكون قليلة التجربة، تائهةً في طريق جديدٍ، ولو ربّت من قبل خمس إخوةٍ، فكيف إن كانت لم تسمع عن الصغار إلا بكاءهم!
هل تتعلمُ فناً جديداً؟ أم تنمّق بيتها بنظامٍ وذوق؟!
أم تنتبه لصحّتها وجسمها بعد رحلة ” وهناً على وهن”؟!
لو توقفنا قليلا قبل أن نكثر النصائح على الأمّ الجديدة، لكانَ أفضل. ولو أجبنا عن أسئلتها، وما تحتاجه حقاً فخيرٌ وبركةٌ!

مالذي كانت تواظب عليه هذه الأمّ وهي وحيدةٌ في غربتها؟
وحيدةٌ لغياب أهلها، قويّة بيقينها أن الله معها، وأنّ لها أسرة صغيرة تنتظرها.. قويّةٌ بما تتذكره من نعم الله عليها وأولاها : عالمها الخاصّ ما بين حلقات ودراسة وكتب، وهذا ما يكسرُ تلك الغربة ولا ريب.!
بيد أن برودة ذاكَ الشتاء كانت بمائة عام!
ليلٌ طويل ورضيع متوقدة عيناه، ينظر إليها ليلاً، ولا يقيلُ في النهار إلا هنيهات؟!
هل وُلد هذا الصبيّ ليحرس في سبيل الله، أم خرج يحمل همّ أمته في نظراته ؟!
سألت الخبراء والطبيبات، ولم يُشخّص بأيّ شيء..
هذا الطفل لا يعاني من أي أعراض مخيفة، بل هو يقظ نشيط وفي أفضل حالاته الصحية..
قالوا لها:
💨ضعيه في سريره، ودعيه يبكي.. لن يضرّه..
💤ضعيه في غرفة خاصة ودعيه هناك يلعب..
لكن هل تفعل المسلمة ذاك بابنها؟
كيف تتركه يبكي وصوته يقطّع القلب حتى يعتاد فراشه؟!
نصائح لا يقدمها إلا سُكارى أو من هم في طغيانهم يعمهون..‼️
تذكرت جدّتَها، وأمها. لقد صمدت أمها مع توأمٍ، نومهما متقلب حتى أكملا العام، ولم تكن تدعهما في غرفة خاصة يبكيان، بل تظل تهدهد وتدعو الله سِراً وجهراً، وتقرأ القرآن ، حتى تضع الحربُ أوزارها.. و
هكذا عقلية المرأة المغربية: مبرمجة على الصبر وتحمل الألم..
بل المرأة العربية عموماً.
أم أستدركُ وأقول بأن المرأة المسلمة في كل حالاتها تعلمُ بأن الصبر هو المفتاح، وأن الألمَ والابتلاء نُجزى عليه.
لنجرّب كم سيصمد على هذا الحال.؟
يقضيان الليلَ، على السرير، أو في الصالة، في انتظار عساه ينام، لكنّ تشغيل القرآن هو الحلّ، فإن غالبها النومُ فهو يجدُ ما يسمعه ويطمئنُّ لسماعه..
ثم صارت تشتغل على مسودّات لأعمالٍ ودراسةٍ، مادامت مستيقظة في كل الحالات. 😊
ومضت الأيام، ليُفطَم الصغير وينامَ ليلة كاملةً بعد عامٍ كامل من النومِ المتقطّع. نعمةٌ عظيمة وقد استجاب الله للدعاء أمام الكعبة وعند ماء زمزم.
لو عدتُ لأراها الآن لقلتُ لها :
“لعله حليبك الأسود، فذهنكِ لا يهدأ، وبالكِ دائم الانشغال، وأحاسيسك متوهجة بمتابعة الأحداث هنا وهناك، وكأنّما تحملين همّ الدنيا فوق ظهرك. ”
أيكونُ الاهتمام لحال المسلمين سبباً في كدرِ حالنا وبؤس أوقاتنا؟!
ليسَ هذا بالأمر المستبعد على نفسٍ تنسى أو تغفل أنّ لنا رباً رحيماً كريماً لطيفاً بنا..
لو استحضرت معاني اسم الله اللطيف، لصفَت خواطرُ نفسها، واطمأن قلبها بأن ليس في يدها إلا الدعاء.. سبحان الله، كم نغفل عن معانٍ تبدو لنا معلومةً بالغيرة، لكن مداخل الشيطان تجعل النفس تتوه حتى عن البدهيّ المعلوم ‼️
لكنني لن ألقاها الآن على حالها ذاك، فلقد مضت في طريقها، ولعلّها تعلّمت من تلك اللحظات دروساً لم تكن لتُمنَح لها على طبقٍ من ذهب.
ويذهبُ التعبُ والسهر، ولا يبقى إلا الصبر والأجر، فطُوبى لمن صبرت واحتسبت.
🔹🔹🔹🔹
من بين ما يحضرني في معاني السهر مع الرضع، هذا الحديث الشريف، ولو أنه ليس لنفس السياق، لكن مقام الأمومة يظلّ مقام مجاهدة ومُرابطة وحراسةٍ نسأل الله أن تكون في سبيله.
(عَينانِ لا تمَسَّهما النَّارُ : عينٌ بكت من خشيةِ اللهِ ، وعينٌ باتت تحرسُ في سبيل اللهِ)
خلاصة حكم المحدث : حسن
الراوي : عبدالله بن عباس | المحدث : الترمذي | المصدر : سنن الترمذي |
بشرى أم عمر
إن قرأت تدويناتي ولامستك، أو أحببت مشاركتها مع غيرك، أرسلي رابط التدوينة. ولا آذن بنسخها، هذا هو الأصل..
🍃بلاد القاع: تطلق على بلدان الأراضي المنخفضة أو دول البينلوكس، وهي هولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ

زادك الله من فضله يا طيبة .. كلماتك تذكرني والسهر مع صغيري أثناء شتاء وبرودة ثلج كندا.. وما أدراك ما شتاء كندا ..
سبحان الله كل شيء يمر و ينقضي بسرعة البرق ولكن في تلك اللحظات نحس وكأننا سنبقى الدهر كله على ذاك الحال. .. وكما قلت الحمد لله أن فطرتنا الدينية و مرجعيتنا تدفعهنا لأن نحول كل لحظة صعبة لتحد مع النفس ونمنيها بثمار وحصاد جزاء وفير .. حاشاه يخيب ظننا و نحن على ثغور التربية في وقت صعب و زمن غريب !
لا تبخلي علينا بكلماتك و خواطرك يا أم عمر
بارك الله فيك 💜💜🌷🌷🌷
إعجابLiked by 1 person
تلك العينان المتقدتان .. أعرفهما جيدا 🤭
تقبل الله منا وكتب أجرنا وأقر أعيننا بأبنائنا في الدنيا والآخرة
جزاك الله خيرا أختي بشرى 🌷
إعجابLiked by 1 person