(فصل من سلسلة التخطيط لليوم السعيد).
ونحن نتخيل معالم اليوم السعيد، لا شكَّ أن صوراً من طفولتنا تتدفق منسابة، فننغمس مع حنين الذكريات، وذكرى الأحبة، ولطافة الأوقات.. صور الطفولة مخبأٌ لكنوز المشاعر والمواقف..
قد تكون بعضها قاسيةً أو صعبة الفهم، غير أنَّ البعض يكتنفه الشعور الذي ربّما لا نفهمه إلا لاحقاً..
درسنا مراحل النمو عند فرويد وتصوّره للشخصية كمُسلّمة علمية ثابتة، وأحسسنا بالغبن والظلم ونحن نقرأ عن صدمات الطفولة، فامتزجت تلك الصور المتداخلة بالحقد على أشخاص بعينهم، أو اتهام الكبار بالجهل والجريمة التربوية. والواقع أن الأمر لا يُنظر إليه من هذه الزاوية، فلو ارتديت نظارات المؤمنة الحليمة، وقرأت أحداث طفولتك بين الرسائل القرآنية لتوارى الحزن والخوف والجزع، ولغمرتك الرحمة والامتنان، فقلب المسلم لا يعرفُ حقداً، وإنما تملؤه الحكمة، فلا يلدغ من نفس الجحر مرتين، ولا يعيد إنتاج التصورات الخاطئة بعدما عانى من ويلاتها، فيورّثها لمن بعده، وهي مليئة بالمخادعات والتلبيس..
صدقاً لو نرى النفس بعيون قرآنية لترفّعنا وارتقينا، ولتخلّصنا من أدران المخادعات المُلبّسة بقناع العلم والدراسات والتشخيص والإحصائيات..
🔸صور الطفولة..
حينما انغمست في عالم السيكولوجية، وعلم النفس التربوي، أصابني الاندهاش من كمّ المراجع، وعدد الملازم المتعوب عليها، ووددت لو درست الأمر بالعربية.. ثم لمّا انقشعت هالة الانبهار، وزالت غشاوة الشعور بالانهزام، صرت أقرأ الشواهد والأمثلة الواردة في تلك الكتب، و الإحساس بالتقزز والقرف يغمرني..
الأمثلة الواردة مغلّفة برائحة الخمر، ونجس الخيانة والزنا، وثقل ضعف القلب وانحطاط قوة التحمل…
صحيح أن مجتمعاتنا أيضا توغّل فيها الفساد الأخلاقي، وانتكست فيها الفطرة، لكن الأصل الذي نشأنا عليه ظلّ الأصل السويّ ومكارم الأخلاق والقدوة الطيبة، وكانت هناك ظاهرة قديمة منذ الأزل تستحق أن تُدرس كما كانت المصنفات، وهي “رمزية الجدّة وصورة القدوة”.. أجل الجدة، فهي ظاهرة عالمية ترتبط عادةً بكل ما هو دافئ وجميل..
تأملت في صورة الجدة الواردة في روايات الأدب الغربي، وقد جمعت قواسم مشتركة في أغلب البلدان، وهي الدفء والحساء الدافئ والفطيرة ووشاح الصوف.. تتذكرين هذه الصور المقتبسة من أفلام الكرتون الكلاسيكية التي كنا نشاهدها؟!

🔸 ثنائية الصلاة والذكر
تلك الصورة أيضا واردة في مجتمعاتنا العربية المسلمة، ولكنها ترتبط برمزية خاصة، سأطلق عليها مجازاً “ثنائية الصلاة والذكر”، وأفتخر بحقوق هذه التسمية الفريدة. أجل، إنها ثنائية ترتكز على الصلاة فالجدة لا تفتر عن وقت الصلاة، ولا تفتر عن الذكر بما يشمله من تسبيح ودعاء، دعاؤها يجمع البعيد والقريب، ومُقامها يظل دائماً مركز اللقيا والصلة.. هذه صورة استنتجتها في مخيلتي، فاقترنت ببركة صلة الرحم وبركة الأوقات.
فحينما أحاول تخيل نموذج ليومي، لا أستطيع التخلص من صور الطفولة، ولا من الشعور الذي كان ينتابني في أوقات بعينها : وقت التهليل لصلاة العيد، أيام شعبان الأخيرة، وقت تحضير الإفطار، ووقت الضحى ووقت العصرونية..
صدقاً هي أوقات لا تنفك صورها عن مخيلتي ولا أن أبرح ذاكرة طفولتي، خاصّة أوقات الضحى والعصرونية..
ومن بركات الجدّات اللواتي عايشتهنّ وكان لي شرف مجالستهنّ، نبتت في قلبي جذور لمعالمِ ترسم اليوم السعيد.
أثر الجدّات ممتدّ عبر العصور، وإن كان طابع الحياة المعاصرة يحاول أن يقصيه، لكن المحاولات البسيطة لربط الصلة لن يضيع هباءً.لا تنسي أن تخبريني في التعليقات إن كنت تتفقين معي في تسمية الجدة بالمدرسة؟ ☺️

بشرى أم عمر
مدونة على الفطرة
3alalfitra.com
