🔸نحو محضنٍ تربويٍّ للأولاد 🔸
قد حدثتكِ سابقاً عن تجربة المجتمع الصغير الذي يكون درعاً وسنداً للأولاد في صغرهم، ثم أحببت أن أصدق التبليغ ولا أخفي وجهاً مهماً للحقيقة الواقعية، خصوصاً حينما يكبر الأولاد وتزداد التحديات صعوبةً. والحقيقة إنه حديث ثقيل نقلهُ، لما أخشى من أن يُفهَم بما لا أقصده، أو مُحرّفاً معناه، بيد أني سأحاول أن أبيّن ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله.
3- بين تجربتين مختلفتين
حينما ألاحظ حياتنا في الصناديق الإسمنتية، وأتأمل في مسار يومنا وبيئة أبنائنا، أتحسّر في نفسي : “ماعاد للأسد عرينٌ يتربّى فيه! “.
كيف يربّى الأسدُ في القفص؟!
وأنا أعي ما أقول، فتربية الذكور لا تكتمل إلا بتربية بدنية لها غاية أسمى وهدف عظيم هو إعمار الأرض بالخير والسعي نحو الصلاح والإصلاح..
نعلمُ بأن الصبي الذي تجاوز العاشرة، ينبغي أن يقضيَ يومهُ وأوقاتَه في مخالطة بني جنسه بقدْرٍ، والقيام بأعمالهم، والتعوّد على مهامّهم. بيدَ إنّ المدرسةَ المختلطة جعلت الأمر متعذّراً، ودفعت الكثيرين للبحث عن بديلٍ مناسبٍ للأولاد.
من تجربتي المتواضعة مع الذكور، أقرّ بأنه كانت محاولات كثيرة من الأب كي يصحب الولدينِ إلى مكان عمله، ولكي يتحمّلوا مهمة التسوق وبعض المسؤوليات الصغرى، مثل شراء المقاضي وتركيب قنينة الغاز، وقضاء بعض الحوائج للأسرة، ومرافقة الأخت في ذهابها لدروسها، وانتظارها عند العودة، وكذا حضور فعالياتٍ تناسبُ اهتماماتهم الفطرية، وقد يسّر الله لنا وتجاوزنا بعض المراحل.
لكن المداومة ليست بالأمر الهيّن السهل، وإيجاد الرفقة الطيبة تحتاج إلى تضحية ومجهود، وهذا ما يجعلنا، نحن الأمهات، فيما بيننا، نصحب الذكور في الخرجات ونذهب إلى أماكن متنوعة، ثم نجد أنفسنا مضطرات للتواصل مع رجال آخرين إذا اقتضت الحاجة، لكي تسير هذه المخططات كما يجب، فَنحاول جاهداتٍ أن نُسنِدَ الأدوارَ الأمامية التي تحتاج تحرّكاً لبعض اليافعين من أبنائنا، حتى يتعوّدوا على القيام بمسؤولياتهم. حضورُ الآباء معنا ليس دائماً ممكناً، لا لكسلٍ أو تهاونٍ، بل لتعذّر الأمر بالفعل، ولانشغالهم بالكسب وتبِعاته.
في نظر أصحاب النظر القاصر البعيد عن الواقع، قد نبدو نساءً لم يمكثن في بيوتهنّ، ولم يقمن بأدوارهنّ كما يجب، لكن بنظّارة الواقع والمصلحة والثغر، فنحن قد سدّدنا وقاربنا لكي لا نترك الأولاد يكتسبون طباعَ “الإناث” بسبب غياب الآباء أو عجزهم عن اصطحابهم في سائر الأوقات، و لغيابِ حاضنة تربوية سويّة تكفينا مؤونة توفير البديل المناسب للذكور، وقد سدّدنا وقاربنا لكي نحفظ الجانب الأنثوي في بناتنا حتى لا تكنّ مسترجلات قليلات حياء.
ومع أزواجنا، فالنقاشاتُ دوماً قائمةٌ لتوفير حاضنة سليمة غنيّة للذكور، فلا يكتمل تعلّم الفتى إلا بصحبةٍ صالحةٍ وبيئة آمنة خارج البيت، تسنده وترافقه وتشدّ من أزره.
ولعمري هذا مطلب صعب المنال، فكيف تستقيم المحاضن التربوية الصغيرة في ظلّ تفكك واضطراب الجماعات الكبيرة ومشاحناتها؟!
قد تتساءلين :
📍لماذا لم تنجح تجربتنا في تحقيق المحضن التربوي الكافي لأولادنا الذكور كما كانت محاولة مجتمعنا الصغير في بروكسيل؟
تساءلت من قبلُ كثيراً، وحاولت أن أفهمَ لماذا بجهودِنا نحنُ الأمهات، وتنسيقاتنا المستمرّة، لم نستطع حتّى الخروج بفعالية ثابثة أسبوعياً للبنين.
ثمَّ مع الوقت، وبملاحظة عين الحال، فهمت بأنّنا نحن النساء عاجزاتٌ عن إنجاز هذه الخطوة، لأنَّ وظيفتنا ودورنا لا يسعُ هذه المسائل الرجالية. وإن تجاوزنا فيها المطلوب، فسوف نحيد عن سمات دورنا الحقيقي. لكنني أرجو أن يتحقق هذا المطلب عند الرجال، وأن ينجحوا في إنشاء مجتمعهم الصغير الواقعي، كما تمثّل لنا في تجربة بروكسيل..
لكنها تظلّ خطوة جريئة لها أثرها الظاهر القويّ، لما تحمله في العمق من تجاوزات لحديث الأنا وهواها، وميولاتها، وتربية النفس واللسان والجوارح حتى تبصرَ الحقّ وتتقبّل الغير على عيوبهم، لما لها من عيوب أيضاً. بل، والأصعب من ذلك، تغاضيها عن التحليلات السياسية والتعصبات الحزبيّة، وتصليحها للعمق وهو الإيمان بالله قولاً وعملاً، يقيناً وصدقاً.. فإن تحقق ذلك، استطاعت النفس أن تميّز المتعصب المعاند فتنصرف عنه، وتقف مع الجاهل المعذور بجهله حتى يفهم ويعي.. فهنا تتبخر تفاصيل التعصب للجماعات، لتُستبدل بالسعي نحو الحقّ والبحث عن الحقّ.
ولهذا نجحت تجربة المجتمع الصغير في قلب بروكسيل، على الرغم من عجمة لسان رجاله، واختلاف مستوياتهم الثقافية، وتعذّر انطلاق مجتمع صغيرٍ في قلب بيئتنا العربية، لأن الانشغال بتفاصيل اللعبة السياسية في إيران والشرق الأوسط، وبراءة فلان وتزكية علّان، طغى على الأصل والمطلب، فضاع السعي والغاية، وتشتت الشملُ قبل أن يُجمع..
وأما مجتمع بروكسيل الصغير، فقد انطلق من الأصول واتفق عليها، وجعل من السعة في تناول الفروع ما يكفي الحاجة ولا يصرف عن المطلب والغاية، وهو المحضن التربوي الآمن.
فأنعم بها من جهود ونفوس!
نسأل الله أن يبلغنا الغاية وييسر أمورنا جميعاً
🌸🌸🌸🌸🌸🌸
“للحديث بقية قد تأتي في أوقات متفرقة.. وهذا ما جادت به الأنامل والأفكار في وقت قريب، فأحببت ترتيب الخواطر ومشاركتها لعلها تنفع غيري. وأنتم بدوركم أتحفونا بتجاربكم ومحاولاتكم في توفير محضن تربوي لأولادكم”.
للاطلاع على التدوينات السابقة هنا:
2– نحو محضن تربوي الاولاد.
بشرى أم عمر
عَلى الفِطْرَة
