نشرت تحت تصنيف مدادُ القلم

لكيلا ننسى!

23 سنةً  مضت على ذلك المشهد الرهيب!

صَبيٌٌ كالوردِ يحتمي في حضن والده من قطيع الضّباع.

لقطاتٌ تتوالى على شاشةِ التلفازِ؛ ثمَّ صمتٌ يعقُبهُ ظهورُ  وجه الأب الواجم تحت تأثير الصدمة.
لم يكن الرجّلُ وحدهُ من ذُهلَ وصُدِم، بل الملايين ممّن كانوا يتابعونَ الشاشةَ حينذاكَ  وقعَ عليهم ألمُ اللقطة! 

ولَقد كانت تلكَ الصورةُ أبشعَ كابوسِ يقظةٍ عرفْته في حياتي!


في كلمة “كابوس”، تختلطُ  مشاعرُ الرعبِ والهلعِ والتوجُّس خيفةً، لكن ما يصف حالتي أنا ورفقة جيلي أعمقُ من ذلك؛
إنه الكابوس المغلّف بالحسرة وبالانكسار.


تساءلنا كثيراً: لم لا ينصرهم إخوانهم؟ أين الملايين؟


هل هذا هو الحلم العربي الذي تغنينا به ونحن نُردّد : أجيال ورا أجيال… ؟!
وصدى صوت فيروز بغضبها الساطع.؟!

وحماسة معزوفة “احنا الثورة والغضب” ؟!!


راحَ الصبيُّ إلى رحمةِ ربّهِ، وظللنا نحنُ تحت وقع الصدمة، نتلقف أحاديث الكبارِ دون فهمٍ، ونُؤَمِّن على دعاء السديس و الشريم أيام رمضان.


كنّا في زهرة المدائن، ثم صرنا في أفغانستان والعراق، وتلتها صدمة العمر في ياسمين الشام..
أولن تنتهي  متتاليات الفقدان هذه؟!
أوكُتب علينا أن نعيش الانكسارات ؟!!

وهنا بدأنا نعي خيوطَ اللّعبة، وأدركنا أنَّ قِطعاً من الصورة خفِيَت عن جيلنا: سراييفو وغروزني وكشمير.


لكننا كنّا نتعلم في كل مرةٍ كيف نُبقي على الأمل بالله..


ما نسيَ الكبارُ أن يخبرونا به عندما لم نرَ عودة الفردوس المفقود، أدركناه بفضل الله ونعمته، وفهمناهُ بالمعاينة وتداول الأيام..
لقد كان الجواب حاضراً بين أعيننا ونحن نتلو الآيات: “ إن تنصروا الله ينصركم “.


صحيح أننا كبرنا على أصوات الانكسارات وألوان الخيبات، لكن صور الأمل كانت تطلّ علينا بين الحين والآخر ، على استحياء، تذكّرنا بالعهد والوعد والمسيرة..
تذكّرنا بالله سبحانه..

تذكّرنا بالتعلق بالله دون سائر المخلوقات، والأخذ بالأسباب..
ربما يستكثرون علينا الفرحة بنصر مؤقت ونسيان الهزائم، لكنها واللهِ بهجاتٌ متقطعة  تنزِعُ قليلاً من الحزن الذي ظلّ مكبوتاً في صدر طفلةٍ عمُرها عشر سنوات.
ولعلّه  آن الأوان لكي يلتئمَ الجرحُ الدفين ونتهيأ للنّزال، فجنودُ الباطلِ كانت في كل مكان، وما زالت تتربّص برِباطِ الخيرِ ومغارِس الإيمان!

بيد أننا هنا باقون، كلٌ على ثغره ينافح..
نحن النساءُ نحملُ القلم بيدٍ ونهزّ الوليد بأخرى.
بيدٍ نرفع الكتابَ، وبالأخرى نرسمُ تاريخنا على الخريطة.
بيدٍ نلوّح لبشائر النصر، وبالأخرى نربّتُ على القلوب الصغيرة كي تنام قريرةً.
اُكتب يا تاريخ وسجّل أننا نحتفل بالانتصارات الصغيرة، فهي القطرات الأولى للغيث المنهمر..
وسنروي حكايات آخر النهار لتظلّ النداءات الصادقة عالقةً بالمسامع..
وسنُذكّر بقصة الصبي الذي قضى في حضن والده على مشهدٍ من العالم، لكيلا ننسى!


بشرى أم عمر
بتاريخ 7/10/2023

أفاتار غير معروف

المعلق:

من مولود يولد على الفطرة إلى إنسان ينشأ في أحضانها و يترعرع.. الفطرة لنا حياة و أسلوب .. فلنسر في دربها !

رأي واحد على “لكيلا ننسى!”

اترك تعليقًا