6 – بدايةٌ جديدة
أحببتُ أن أختِمَ سلسلة على أعتاب سنةٍ جديدة بوقفةٍ هي الأهمّ من بين كلّ ما سبق.
إنها البداية الجديدة والانطلاقة السعيدة ☺️
وها هي ذي نفحاتها قد أوشكت على الوصول، وكأني بها تنادي : يا باغيَ الخير شمّر! يا باغي الخير أقبل!
ما أبهجَ أيّام رمضان، وما أصفى أيامه ولياليه.!
دفءٌ في القلوب، وصفاءٌ وقت السحر وقبيل الغروب، وخضوعٌ وذِلّةٌ في النفس!
بركاتٌ ورحمات!
هذه هي البدايات الجميلة حقاً، تُطهر القلب والفكر، وتُنَقّي النفس من الأعماق إن هي وجدت إلى ذلك سبيباً ولم تعُقها العوائق المادّية والصّوارف المشتتة.
دعيني لا أطِل الوصف حتى لا أُفقدَ المشهد جمالهُ، بل سأدعوكِ لكي نذهبَ في رحلةٍ فوقَ بساطِ الجمالِ.
ومازلنا بعدُ في خواتيم شعبان، فإلى شحذ الهمة والاستعداد والتشمير..
🌱مشروع رمضان
فضائل شهر رمضان معلومة، ولا يسعني المجالُ لتفصيلها، ولأنه شهر عظيم، فاعتباره مشروعاً سنوياً من مشاريع العمر يعتبر استثماراً في الوقت، وتزكية للنفس وارتقاءً بها.
وماهو مشروع رمضان؟
لن آتي بجوابٍ من عندي، فما جاءَ بمحكم الآيات والنصوص، ثابتٌ وواضح.
مشروع رمضان الرئيسي الجوهري يا رفيقة هو القرآن
القـــــرآن.
تلاوةً وتدبّراً ومدارسةً وعملاً وغيرها.
فأقل القليل أن نستزيدَ فيه من التلاوة، وأن نسعى لأخذِ القليل من المعاني، والعملِ بأقصى ما يمكنُ..

هل أحثُّكِ على مراجعة محفوظك ؟ أم حضور مجالس التدارس؟
تعلّم التلاوة الصحيحة؟ أم القراءة في التفسير؟
انظري إلى حالكِ، واسلُكي المتاحَ. ولا تترددي أو تتخاذلي.
اجتهدي قدر المستطاع من دون جلدٍ للنفس ولومٍ، بل استحضري أنك في رحلة إقبال وسيرٍ إلى الله، فاستشعري خطواتكِ وأنت تزحفينَ نحو باب التوبة والإنابة، أو تمشين أو تهرولين.. لا تكترثي لبطء الخطوات، الأهم أن تكون متسارعةً خلال الشهر، وأن تشعري بأنك تقتربين، وأن قلبك يتطهّر.
☘️ بركات رمضان
“إني صائم” ربما سمعت هذه القصة أكثر من مئتي مرة، فقد كدتُ أحفظها من كثرة ما قرأتها لسلمان، وهو في بداياته مع القراءة الفردية، وأذكر أنه انطلق بعدها في القراءة كالفارس المغوار، واثقاً مُحبّاً. أستبشر خيراً بما نتعلّمه في رمضان، فهو دائم البركة بإذن الله.
“قمر رمضان” قصةٌ أخرى أحبّتها ابنتي، وكنا نجتمع لقراءتها بشعورنا قبل لساننا، فمن خلالها كنّا نعيش مع مراحل الشهر إلى أن يحلّ العيد.. هذه القصة هي الأخرى كانت نسيبتي تتدرب فيها على القراءة، مع تدريبات المصحف من سورة البقرة.. بعدها انطلقت في القراءة، وانضبطت مخارج حروفها بصورةٍ عجيبة! بركة رمضان سبحان الله!
قصة أصحاب الأخدود، وكتاب السيرة النبوية، كثيراً ما كنا نقرأ منهم بعض السحور في انتظار صلاة الصبح أو الشروق.. جلساتٌ مؤنسةٌ بسيطة عشنا فيها مع قصة الغلام والساحر والرّاهب، ولا نملّ من إعادتها كل رمضان.. وكذا مقاطع من السيرة النبوية، فالسبرة مستمرة وكل قراءة لها تكون من منظور مختلف. فالللهم وفقنا لكل خير وأدم علينا المجالس المؤنسة.
حتى في القراءة والتعلّم، ما أقرؤه في رمضان أو أستمع إليه، عادةً بعد صلاة الضحى، يكون ذا أثرٍ ممتدّ، وهذا ما لمسته في كتاب “فطرية” و “سابغات” و “الرحيق المختوم”، وفي دروس علمية كنت أستمع إليها أو حتّى دورات تكوينية كنت أتابعها.
لذلك صرتُ أسعى إلى الحضورِ الواعي والأثر القويّ الطيب الذي ألمسه في نفسي ومن حولي، ولو من خلال أعمال بسيطة قليلة. فالأمّ حالها مختلفٌ، فتارة منشغلة بالرضيع والدارج، وتارة بالضيف والوافد، وهي بين تقلبات في حالها بين الضعف والقوة. فلنحسن الظن بالكريم الرحيم، ولنجعل قلبنا متعلّقاّ بعفوه وسعة رحمته، فإن حبسنا عذر أو شاغلٌ، تبقى القلوب قريباً معلقةً بحبل الرجاء.
طبعاً إن استطعنا السير على الجدول العامر وتنفيذه يإتقان وإخلاصٌ فهذا أفضل وأحسن، فالمسلم يستكثر من الخيرات ويسارع إلى مغفرة ربه وجناته! ☺️
هذه بعض البركات التي أستحضرها كلما تذكرت رمضان، ولا شكّ أن في ذاكرة شعورك الكثير والكثير 🌸
☘️ تخلية قبل التحلية
التخلية للقلب والعقل والبيت.. فكلّما أفرغنا نفوسنا مما يُكدّرها ويشتتها، غدونا أكثر صفاءً وحضوراً. وسيكون رمضان فرصة لنا للتزكية والتخلية أكثر فأكثر، فاللهم بلغنا رمضان.
أحسب أنه شهرٌ ينصرمُ ولا يُعوّض أبداً، كسائر أيامنا، ولذا إني ناصحةٌ لنفسي وإياك بالتخلص ممّا يشتت العقل والقلب، ويكبّل النفس، من خواطر وهموم وشواغل دنيوية، تحول بيننا وبين الانتفاع ببركة رمضان واستقباله والعيش معه.

وسأشاركك بعض الفوائد من مجالس التدارس ومسالك التخلّق التي انتفعتُ بها من مدارسات قليلة لبعض الآيات من مجالس القرآن للشيخ فريد الأنصاري رحمه الله.
🌱من هدايات التدارس إلى مسالكَ للتخلّق
وأولى الخطوات بالاستغفار والذكر، فلزوم الاستغفار والمواظبة على أذكار الصباح و المساء وأذكار ما بعد الصلاة من أهم المفاتيح لإحياء القلب. ومن رُزق فضل المواظبة عليها فليستكثر من الذكر وتلاوة القرآن.
ثانيها: الحرص على استحضار النية وحضور القلب في تكبيرة الإحرام خصوصاً، وفي الصلاة عموماً. فتكبيرة الإحرام هي بوابة الولوج، فليبذل المرء وسعه كي يكون حاضراً بقلبه فيها وفي تلاوة الفاتحة. ومن لزم ذلك، فليسأل الله تعالى التوفيق كي يحضرَ قلبه في تلاوة السورة والركوع والسجود وسائر الصلاة.
ثالثها: ورد القرآن، فبما أن رمضان شهر القرآن وتلاوة القرآن والقيام، فلنستعدّ بالاستكثار من الورد، فمن اعتادت على حزب تضاعفه، ومن وردها جزء في اليوم تسعى لأن تجعله جزأين، وهكذا. ومن كانت تلاوتها للورد مضطربة، فلتلزم أقل قدرٍ ممكنٍ، ولو رابعاً في اليوم.
ويا حبّذا تلاوة البقرة كل 3 أيام أو على الأقل سماعها في البيت
رابعها: التخفيف من الأكل، والتقليل من الكافيين لمن اعتاد القهوة أو الشاي في وقت محدد. هذه العادات تتعب الجسد عند الأيام الأولى للصيام، فيا حبّذا ترويض الجسم لكيلا يتعلق بها، وأحسبه من السعي لقطع العلائق التي تحول بين المرء وسعيه للخيرات. ولا بأس بالاستعداد ببعض المكمّلات أو الخلطات الطبيعية التي تقوٌي الجسم لمن تعاني من فقر الدم أو الضعف أو قلة الجهد، فهذا من باب التزوّد للخير.

عادات اجتماعية طيبة
حينما أستحضر أيام طفولتي، وتفاصيل عشتها مع جدّتي رحمها الله، يكادُ يُخيّل إليّ أنني انتقلت إلى حقبة من الماضي الغابر، لبساطة التفاصيل وقلّة المشتتات، وليس عن مدينتنا قبل 30 عاماً على الأكثر!
لا أتخيّل يوماً من رمضان من غير سماع تلاوة الشيخ علي جابر رحمه الله، أو تلاوة عطرة للمقرئ العيون الكوشي.
وجباتنا في أيام رمضان مألوفة معروفة : حريرة مغربية أو حساء الشعير مع تين مجفف وتمر وبيض مسلوق.
وبعد التراويح، وجبة تجتمع عليها العائلة.
والسحور وجبة خفيفة تجتمع عليها الأسرة أيضا بدفء ومحبة.
العادات المنزلية كانت تقريباً متشابهة، الجارات في الحيّ كأنهن كنّ يتفقن على موعد موحد لطهي الحريرة ☺️ هذا كلّه كان يخفّف التفكير وكثرة التحضيرات، ويجعل قائمة الشهر مألوفة معتادةً، لا تستدعي الوقوف الطويل وكثرة الشراء كما صارت على أيامنا الآن.
يااااه، يالها من عادات جميلة!
العادات الاجتماعية التي نتذكرها في طفولتنا ظلّت عالقةً بأذهاننا لأن الأهالي اتخذنها أسلوب عيش ولحظات متكررة. نحن الآن نعيش نمطنا الخاص الذي سيتوارثه الجيل، بطريقة مختلفة طبعاً.. لذلك علينا أن نعيش عادات نتبناها فكراً وقلباً، فهكذا سيدوم أثرها بإذن الله. لكن انتبهي لنقطة مهمة، وهي الفاصل بين العادة والعبادة..
قد تصبح أجواء الصيام عادةً، لكن النية واستحضار الأجر يصححُ الأمر.
قد تصبح أجواء التراويح عادةً، لكن السعيَ للخشوع ومناجاة ربّ العالمين يبقيها في مركز العبادة ولا يحوّلها إلى عادةٍ نقوم بها دون حضور القلب.
قد تصبح تلاوة القرآن طقساً من طقوس رمضان، نمرّر الآيات على اللسان، ونتغنى بحسن الصوت، لكنّها ترتقي وتظلُّ في مرتبة العبادة حينما نؤديها بحضور قلب ونية.
لا نريد أن تصبح العباداتُ في رمضانَ عادةً اجتماعية. هناك عادات اجتماعية طيبة ارتبطت برمضان مثل الأجواء الجميلة ووقت الحكاية وجلسة الذكر، أو أكلات معيّنة، لكنّ تغليبَ كفّة التحول إلى عبادة هو الذي يجعلنا نحسن اغتنام الشهر.
السرُ في النية وحضور القلب.. ها هُنا تتحول أعمالنا اليومية البسيطةُ عبادات نُؤجر عليها (طبخ وتنظيف وزيارات وجلسات ووو)

🌿 استعدادات للاستثمار
– الصلاة على وقتها، الأذكار، الورد اليومي من القرآن
-مادة مفيدة ينشغل بها الصغار (أنشطة، قصص، أوراق)
-مادة مفيدة ينشغل بها اليافعون (قراءة، مرئيات)
-تنظيم اليوم ونظام النوم.
-ترتيبات خفيفة للتقليل من الفوضى

🌱 مُشتتات ومنغّصات الرحلة
سأذكر بعض الأمور التي تعتبر من المشتتات خلال شهر رمضان، ولكن التفكير فيها الآن وترتيبها يعدّ استثماراً للوقت والعمر.
ملابس العيد: قد بدأت بباب الخير الذي يفتح معه ابواب التلبيس إن لم نفقه. لبس الجديد نعم، ولكن كيف ؟! أهو الاعتناء بأدق التفاصيل في أيام العشر المباركة الثمينة، والتجول من سوق إلى سوق، أو متجر إلكتروني إلى آخر، بحثا عن الألوان والمقاسات. ؟
هذه الأمور لو استفرغنا لها الوقت في شعبان فهو خير وبركة، وليس يضرنا بعد ذلك إن نسينا جورباً أو غطاء صينية الكؤوس!
ستفهمينني جيداً إن كنت ممن يعتني بتنسيق التفاصيل، ويحب البياض يوم العيد في أدقّ قطعة.. العيد للفرح والبهجة نعم، لكن بعض البهجات تكون على حساب بركات العشر الأواخر وصفاء الذهن للدعاء فيها.
مرفقات الفطور للعشر الأواخر: لو استطعت تجهيز مرفقات مثلجة للفطور تسهّل عليك إفطار الصائم، وأيام دعوات الإفطار فهذا خير. لكن لو خصصت للعشر فقط نصيبا من التحضيرات، فسوف يغنيك ذلك عن الوقوف وكثرة الأعمال المرهقة في العشر الأخيرة. إما مملحات مثلجة، أو فطائر، أو حشوات سهلة تملأ في عجين. في فترة ما انقطعت عن كل هذه التحضيرات لكيلا أكثر من البهرجة قبيل رمضان، لكن الادخار لأيام العشر كان مسألة مهمة، فالتغيرات والظروف ستجعل الواحدة تقتني ما لا يعجبها من السوق إن اضطرت أو حضرها ضيف. فحتى تكون الكفة متوازنة بين الإكرام والإفطار واستغلال الأوقات، فهذه المثلجات تُدّخر لأوقات الحاجة.
نظافة البيت وترتيبه:
لا أستطيع التحرر من الصور الذهنية لعاداتٍ ومظاهر خيّرة لجدّتي رحمها الله وأمي حفظها الله، وجاراتنا والنسوة من حولنا.
تخلية البيت قبل رمضان كانت طقساً مألوفاً، فالبيوت تتحلّى بالنظافة والترتيب، فتُغسل السجاجيد، وتُبيّض الجدران الخارجية والأسطح بالجير الأبيض والنيلة الزرقاء.. تنامين وتستيقظين مع الشروق لتجدي سطح البيت مضيئاً بصباغة جديدة، وأمك تأتزر بمنديل مخطط، و”زيف حياتي”. حتى في أيام الشتاء الصعبة، كانت هذه المظاهر حاضرة بقدر معقول يحقّق النظافة والترتيب اللازم الذي لا يشوّش على السيدة يومها في رمضان، فلا تتفرغ إلا لإعداد الوجبة، وغسل الثياب وتلاوة القرآن والصلاة.
ربّما هذه المظاهر تليق بفترة زمنية غابرة، لكن المقصد والمطلبَ واضح : التخلية والتحلية
في وقتنا هذا، ربما سأنصحك في أول خطوة ب:
✅التخلص من الكراكيب : أوراق، أواني، ملابس.. تعزل وتُفرز وترَتب حسب الحاجة. ستجدين نصيباً للصدقة فلا تستهينين به. أكرمي النعمة حتى تدوم ويبارك فيها الله.
✅ تخفيف المشوّشات : من أثاث وديكورات، وأعمال مؤجلة.. بعض الأسطح والطاولات تحمل مالا نحتاجه في تلك الأيام، وبعض الأعمال نؤجلها ليوم غير معلوم، فإما نفعلها أو ندوّنها في قائمة الانتظار لكي تخفف عنا تعب الذاكرة. تفريغ الأماكن، وتخلية الأسطح سيقلل التشويش البصري.. وحينها نبسُط فرُش مكان الصلاة وسلة الكتيّبات التي نسعى للانتفاع بها حتى لا نفتح الخزانات ونبعثر المكتبة مجدداً..
✅ تقليل استهلاك الشاشات: لا داعي للتفصيل فيه، فكلّ واحدة منا أدرى بالوقت الذي تقضيه محدقةّ بالهاتف، ولأي غرض تفتح الهاتف.. لنتساءل: كم يستهلك منا من الوقت؟ فيمَ نستهلكُ هذا الوقت؟ هل في ما ينفعنا؟ هل في ترويحٍ مباح بعد إتمام المشاغل؟أم في تتبع الأخبار وفضول القول والكلام الذي لا ينفع وقد يضرُّ؟
التقليل والاستعمال للحاجة هو الحلّ. قبل أن نحمل الهاتف، لنتساءل : لماذا؟
أحياناً، أو غالباً ما نفقد تركيزنا، فنفتح لأداء فاتورة أو إرسال رسالة مهمة، فتجدنا نتسكّع بين التطبيقات والصفحات بغير داعٍ.. هذا ليس بالضرورة أثر ADHD* يا حبيبة، بل هو غالباً الانشغال عن الغاية بملهيات الطريق وكفى!
: ADHD*
اضطراب تشتت الانتباه وفرط الحركة وقد صار شائعا أن النساء تصاب به. الأمر حوله جدل كثير، كسائر الدراسات النفسية الغربية والتشخيصات. لذلك فلنعد إلى الأصل ولنسمّ الأمور بمسمّياتها، ولا نجعل الأعراض تنسينا أصل الداء حقاً وصدقاً!‼️
🌷في الختام
رمضان مشروع سنوي، وكلّ مرة نستثمر في هذا المشروع بمواردنا المتاحة، وبمشاعرنا ونيّتنا.. لنخلص العمل لله سبحانه، ولنحرص على أن نبذل أحسن ما عندنا، بكل يقين وحسن ظنٍّ.
ولنجعل دعاءنا في هذه الأيام : اللهم بلغنا رمضان
🔗 كراسة إلى رمضان
بهذه المناسبة أعددت كراسةً جميلةً، وفيها جدولٌ مفيدٌ للأمهات المعلمات منزلياً.. ترقّبيها في تدوينة خاصة إن شاء الله.


كلمات من ذهب في ميزان حسناتك يارب اختي حسناء اللهم بلغنا رمضان واكتبنا من العتقاء من النار وارحمنا برحمتك واعفو عناا يارب العالميين
إعجابإعجاب