نشرت تحت تصنيف مدادُ القلم، عام

رحلة البحث عن روض

فصحى أم لغة اجنبية؟

—————————

سمعتُ عن أهمية تعليم اللغة الثانية في سن مبكرة، أكثر من الاهتمام بتعليم الفصحى في مغربنا السعيد، فحتى رياض الاطفال تتنافس، من يزوّد كمّ اللغات الثانية على الآخر! بعضها يعلّم الفرنسية والانجليزية، ولم يسعفهم الجدول الزمني ليدرجوا الإسبانية، وإلا ما كانوا ليقصّروا.لكن نادراً ما أسمع عن العناية بالحديث بالفصحى!

قالت لي إحدى المعلمات  :

الأطفال لايستجيبون، لذلك نمزج بين الدارجة والفصحى..

طبعاً أعلم علم اليقين أن محادثة اطفال الروض بالفصحى أمر ممكن ومُحقق، فإن كان ناجحاً مع الأعاجم ، بالعلم والتجربة والمعاينة، أفلا يصلح لطفل عربي، لهجته العامية تشبه الفصحى الى حد كبير ؟!

جذر المشكل هو من الاليات والاساليب ، فالمعلمات ، إلا من رحم ربي، تتخرج بماستر في لسانيات النص، لكنها عاجزة عن صياغة جمل مترابطة بالفصحى دون تأتأة.. هذا مع الكبير،فكيف بخطاب الصغير الذي يتطلب نطقاً سليماً ونبرات متغيرة وألفاظ مختارة ؟!

وحين عودتي إلى المغرب، بحثت في البداية عن روض لابني سلمان، فرضيعي لم يكن قد أتم ستة أشهر بعد، ولا طاقة لي بتحمل نطّه وقفزه الصاروخي طيلة اليوم، نعم نعم.. كنت اريد له متنفساً، ولي ايضاً.

لكن رحلة البحث عن روض يلبي حاجتي، كانت اصعب من البحث عن ماء في صحراء..

نعم نتحدث معهم من حين لآخر . أجابتني مديرة إحدى المدارس.

( نتحدتُ، فالثاء قد هربت من حروف الهجاء عند المعلمة)

نعم نتحدث بها ، ولدينا برنامج خاص بالأناشيد والمسرحيات. لكننا نعتني باللغات الاخرى كثيراً ، فالوقت يتطلب ذلك..

استرقت السمع لألتقط إحدى فقرات الفصحى بين أنشطة الاطفال ، كانت الدارجة تنطّ وتقفز ، متبخترة امام بضع كلمات عربية يتيمة..

(يللااه شنو قلنا.. دبا وقتُ الأكل. آخذُ محفظتي.. ريان آجي لهنا.. رميساء.. رميساء.. عندك …)

أعلم ان تطبيق نظرية الغمر اللغوي شاق،لقد جربته مع ابنائي ومع اطفال اعاجم، لكنني كنت أعبر عن مشاعري في نفسي بالدارجة ( يا ربي على هاد العيال، تقول كنهدر مع الحيط)..

ثم ألملم شتات نفسي، وأرفع صوتي :

اذا تكلم الجميع ،ستحدث فوضى. ولا نستطيع ان نكمل النشاط.أحتاج ان اراكم هادئين لنكمل اصدقائي..

في غمرة الافكار المتضاربة، وخيبة الأمل من روض مفقود، تراءت لي صور زميلاتي، في روض البيان.. هناك وراء البحار.. غرف صغيرة دافئة، تعج بالمشاعر الصادقة والعطاء اللامحدود..

🌸

تستقبلنا فريدة ومليكة وراضية وسناء بترحابٍ واهتمام :  مرحبا عزيزتي نسيبة.. كم هو جميل فستانك الوردي..

تتجمع العصافير حول أمينة :

هيا أصدقائي ، وقت الجلسة الآن . وتبدأ بالترنيمة  المعتادة، فيأتون طائعين.

لورشات الصباح رونق وجمال ولغة بديعة، وفي الزوال تهدئ الحكاية القلوب الصغيرة فتنام قريرة. 

في حضرتهنّ، يلين اللسان الأعجمي، وتغرد العصافير بكلمات مكسرة محاولة التلفظ بكلمات سهلة، يهمس أحد الأطفال إلى أمل قبل عودته إلى البيت :

معلمة.. انا يحب أنتِ..

(لا عليك يا صغيري،فأنت معذور، لم تكمل 4 سنوات بعد، ووالداك أعجميان.) 

عبارة صادقة كهذه ستنسيكِ تعب اليوم يا أمل  لتعودي بنشاط جديد!

أتذكرها هي وفريدة وهما توضحان لنا سبب التأخر في تجهيز الأطفال :

لا نحب أن نلبسهم المعاطف حتى لحظة وصول الوالدين، لكيلا يمرضوا بسرعة عند خروجهم .

🌸وفي قسم أسماء، يكتسب المنتسوري حلة أنيقة:  صحون مرتبة فوق مفرش مطرز ، طقم فناجين صينية لركن الحياة العملية، سلال فريدة بديعة..أمرّ من قسمها لآخذ إحدى الأدوات ، فأجد إكرام تهدئ إحدى الاطفال الغاضبين. حنان وحزم وهدوء..فيستوقفني ذلك الصوت المغمور بحنان الذكريات، من صوت المسجل.. إنه وقت الاناشيد :

هللي هللي يا رياح… وانسجي حول نولي وشااح..

يالله يا أسماء، لقد عدت بنا إلى الوراء..

🌸أما فصل حياة، ففيه تنبض الحياة بالفعل ..

لقد عدنا إلى الدرس، وهاد الأنس للنفس .. فنور العلم كالشمس…كفى بالعلم هادينا..إلي العلياء يا تربي.. إلى اغلى امانينا.

“يا حياة، هل سيفهمون عمق هذه الكلمات؟!

لكنهم كانوا يرددونها بقلوبهم وكأن المعاني وصلتهم..

وقسم هدى، عالمٌ ثانٍ.. قسم المشاغبين بامتياز، وولدي قائد الحراك.. لكنها كتيبة تسر الناظرين.. يندفع إسماعيل بثقة ليقرأ الآيات المقررة للتفسير :

( وإن يونس لمن المرسلين.إذ ابق إلى الفلك المشحون)

يتوقف :

–  ولكنني لم أفهم ، ما معنى مشحون معلمة؟

فتشرح هدى بما آتاها الله من صبر ولين ..

لقد رفعتن السقف عاليا أيتها الرفيقات.. لقد أعجزتنّ لساني..

شرد ذهني طويلاً وسرحتُ مع حنيني وذكرياتي..

في طريقي إلى البيت، أمرّ بجوار روض للأطفال..أسمع اصواتا متداخلة..

هذا غوووج .. شنو هذا؟ غوووووج. تقصد احمر..

وهذا فيييغ. ،، viiir.. زعما vert..

فيولـي Violiiii..تقصدviolet)

هادوما ليكولور li coulour تقصد les couleurs..”

ضرني راسي من هذا النشاز الصوتي

..لا اسمع فرنسية ولا دارجة ولا عربية؟!

اسرعت عائدة إلى بيتي..

أين أنتن يا رفيقات البيان؟ لقد حظيت بصفاء سمعيّ وبصري في صحبتكنّ.. لقد تهتُ في هذه القرية الاعجمية..

عزمت امري واخذت قراري :

ستبقى معي في البيت يا بني.. ستقرأ القرآن قراءة صحيحة وتتعلم القراءة والكتابة والحساب .هذا يكفينا.. فهو خير من هذا الوبال.

وصدق  الشاعر :

فإما حياة تسر الصديق، وإما ممات يكيد العدا.

بشرى أم عمر

أفاتار غير معروف

المعلق:

من مولود يولد على الفطرة إلى إنسان ينشأ في أحضانها و يترعرع.. الفطرة لنا حياة و أسلوب .. فلنسر في دربها !

رأيان على “رحلة البحث عن روض

  1. هذا الذي أنويه أسأل الله التوفيق، إبنتي صغيرة في سن الروض وإبنتي أخرى رضيعة أحيانا أعاني بسبب إكتئاب ما بعد الولادة حتى أنني أحيانا أفقد السيطرة على حياتي وأحبط وعندي إهتمامات عديدة، دعواتك غاليتي أن يصلح ربي أولادي ويوفقني أنا وزوجي ويعيننا على تعليمهم

    Liked by 1 person

    1. يسر الله أمرك وفتح لك أبواب الخير. حقيقة مع وجود الرضيع ،يكون الأمر مختلفا ،لذا أتفهم تخوفك. اتمنى أن تجدي رفقة طيبة لتشجيع بعضكما بعضا ، وللمساندة والدعم، ولو أن يكون لقاء شهريا فهو خير من لا شيء. وفقنا الله جميعا آمين

      إعجاب

اترك رداً على غير معروف إلغاء الرد