نشرت تحت تصنيف تاريخنا

لماذالا يَدرسُ الأطفالُ الصغارُ التاريخَ؟

منذ بدايات القرن الماضي, انتشرت نظريات تدعم بقوة فكرة أن الأطفال الصغار لا يستطيعون فهم التاريخ, وهذا ما جعل غالب المناهج الدراسية تتجاهل فكرة تقديم قصص التاريخ للأطفال . لقد تأثرت الفلسفة التعليمية للمدارس بالنظرية البنائية لبياجيه إذ يرى بياجيه بأن مرحلة فهم العمليات المجردة تبدأ بعد 6-7 سنوات , وبالتالي لا فائدة من تقديم المفاهيم المجردة قبل هذا السن.

قياس هذه النظرية على تعلم العمليات الرياضية المنطقية صحيح. فالطفل يفهم المفاهيم المجردة في الرياضيات بعد 6-7 سنوات . وبالتالي نحتاج إلى تقريب المفهوم بطريقة ملموسة كي يسهل تمثّلهُ. (اطلعي على : مقالة حول المنهج السنغافوري , لتفهمي تأثير نظرية بياجيه عليها) .

لكنّ نظرته هذه جعلت بعض المربّين يعتقدون أن الأطفال لا يمكنهم فهم التاريخ إلا في مرحلة متأخرة من مراحل تطورهم, وبالتالي تقلّصت دراسة المفاهيم التاريخية بشكل كبير .

ركز المناهج الدراسية لمرحلة الطفولة المبكرة على :

وهذا مهمّ بلا شكّ ، ولكن , عادةً، ينحصر تقديم الحكايات في سرد القصص العادية المألوفة، مثل : قصة الدجاجة و دب العسل و قصة القط والفأر, بعيداً عن القصص الحقيقية التي من شأنها أن تعزز المعطيات التاريخية الحقيقية مثل :

بيد أن الأطفال في هذا السن يطرحون أسئلة وجودية تعتبر هي المدخل الأول لسرد القصة التاريخية . إنهم يتساءلون باستمرار :

وأسئلتهم هذه تعتبر المدخل الأول لاستكشاف الواقع بشكل معقول. لذا لا بد أن يكون المحتوى الذي نقدمه لهم حقيقياً, من خلال :

نعم لا يستوعب الأطفال الصغار مفهوم السبيية التاريخية, لكنهم يمتلكون مفهوماً واضحاً حول نوع العلاقة التي ترتبط القصص بعضها ببعض.

نعم لا يستوعب الأطفال الصغار مفهوم التسلسل التاريخي و لكنهم يفهمون بوضوح : “قبل” و “بعد” و “منذ وقت طويل” و”في قديم الزمان” و “للتو” و “هلمّ جراً” ..

نعم لا يستوعب الأطفال الصغار مفهوم”المَلَكِيّة” أو ما يعني العلاقات السياسية, و لكنهم يفهمون بوضوح : القوة والضعف القهر والتمرد الطموح والعقاب

ولا يستوعب الأطفال جيداً مفهوم السلوك البنّاء / الهدام , ولكنهم يعرفون بوضوح : مفاهيم الجيد والرديء (1)

إننا نلاحظ بأن المفاهيم البسيطة التي يمتلكها الأطفال بوضوح تضمّ المفاهيم الأساسية للفهم التاريخي مثل القوة والكرم والشجاعة والجبن والتمرد … وإذا انطلقنا من هذه المفاهيم المتاحة, سنجد فيها ما يساعدنا على تدريس التاريخ, انطلاقاً من مدخلات التعلم لدى الصغار مثل :

فكيف نقدم التاريخ للأطفال الصغار إذاً ؟-

الجواب بسيط : من خلال قصة حقيقية , نجعل منها بأسلوبنا :

أحداثاً مُشوّقة و شخصيات بطولية و مكاناً بعيداً و وزماناً بعيداً ..

إن تقديم القصة بشكل تفاعلي يجعل الطفل يعيش مع السيناريو .

وإليك بعض الخطوات، أتمنى أن تفيدك :

بلُغةٍ مشوقة دون تعقيدات.. هذا يجعل من السرد لبِنةً في البناء أو قطعة بازل، تتشكل شيئا فشيئا .

  • استخدام وسائل تفاعلية

مثل الدمى والألعاب ومسرح العرائس / الظل . صور إيضاحية كتب مناسبة رسومات مساعدة

  • عين على الخريطة

ربط الحكايات بأمكنتها ، والإشارة إليها على خريطة او على مجسم الكرة الأرضية مثلاً. ✓ هنا مصر حيث ولد موسى ✓ وهنا الأقصى مسرى الأنبياء ✓ وهذه نينوى في العراق ، موطن نبي الله يونس عليه السلام.

  • تفادي الوعظ المباشر

استخلاص العبر والدروس قد يكون من خلال أسئلة غير مباشرة ، ومن حين لآخر ، لكيلا تتحول متعة السرد إلى درس وعظ

  • التأطير الزمني

نذكّر الطفل بحدث يعرفه، يكون معلماً وإشارة؟ فنحدد متى وقعت الحكاية. ✓ حينما كان جدُّك طفلاً…. ✓ قبل ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم…

  • تعزيز الروابط بين القصص

✓ تذكر السفينة، التي حمل فيها نوح عليه السلام المؤمنين والحيوانات؟

✓ تذكر الهدهد في قصة سليمان

✓ إنه حداد مثلما كان سيدنا داوود ..

✓ لقد حدثت القصة في مكة، قريباً من الكعبة..

كل هذه الخطوات, لكي يسهل التفصيل في الأحداث خلال سنوات لاحقة وإثراؤها وتصنيفها زمنيا.

اقتراحات لبعض القصص:

  • سفينة نوح عليه السلام
  • النملة وسليمان
  • قصة الملك الصالح ذي القرنين : ( دون ذكر فقرة يأجوج ومأجوج)
  • أصحاب الفيل
  • فتح الأندلس
  • قصص الشخصيات : ابن ماجد الادريسي البخاري رحلة ابن بطوطة (أدب الرحلات)
  • الحكايات التراثية الواقعية ، التي لا تتضمن خوارق او خيالات مستحيلة مثلا : حكايات جحا رحلة السندباد (نركز على تنقلاته واكتشافاته دون خلط بقصص الرعب والجن)
  • كليلة ودمنة

الاهتمام بالتربية التاريخية وبناء المفاهيم التاريخية المرتبطة بالهوية منذ الصغر

القصص القرآني – الشخصيات التاريخية – الحكايات الشعبية التراثية – تاريخ الموطن – تاريخ العالم الإسلامي – تاريخ الأقوام الآخرين من النصارى واليهود .

مرئيات وصوتيات لعلماء ومختصين : الدكتور راغب السرجاني – محمد موسى الشريف – قناة تاريخ تون للسبيل – مقاطع د.الكملي

الخرائط الدمى / المجسمات / مسرح العرائس / الألعاب / كتب للأطفال

وبالنسبة للناشئة أقترح اعتماد موسوعات عن تاريخ الاختراعات / تاريخ العلوم / الفنون

وأهم شيء , أن نقدم لهم الخط الزمني بطرق مختلفة , ولمراحل متنوعة , ونربط كل حدث وقصة بمكانها الجغرافي ( الخريطة) / أو المكان الفعلي على أرض الواقع .

. موقع تمودة الأثري بتطوان , يعود إلى حقبة الرومان ما قبل التاريخ

انظر مقالة : كتب تاريخية للناشئة 

و مقالة : استثمار قراءات الأطفال في تنمية مهاراتهم

أما عن طريق الاكتشاف والزيارات الميدانية والمتاحف , فإليك مثال عملي لإحدى خرجات مجموعة الأمهات بمدينتنا تطوان , إذ حاولنا التعرف على أهم معالم مدينتا المختلفة عبر عصور مختلفة (قبل الميلاد – عهد الإسلام ) وهذه بعض المقالات التي تسرد تفاصيل كل خرجة . والشكر في ذلك موصول لفريق الأمهات اللواتي سمحن لي بنقل التفاصيل ومشاركتها .

أرجو أن تكون هذه التدوينة نافعةً خفيفةً لطيفةَ في ظل هذه الأحداث العظيمة المتسارعة , فالتاريخ بوابة لفهم الحاضر واستنباط رسائله وسنن الله الكونية , فمن لا تاريخ له , كان عليه أن ينسج له تاريخاً يعتمد عليه (مقولة أمريكية لم أجد قائلها)

وألقاكم قريباً في تدوينات أخرى تحت تصنيف “تاريخنا” فقد صار لي وقت أرتب المُسودّات , وآن الأوان كي أعزم على نشرها رغم ضآلة محتواها في نظري وافتقاده إلى الطرح العلمي (عقدة الكمال التي لاتنفك عني , فاللهم قوّ (عزمي باليقين والعلم النافع

آمين

المراجع التي اقتبست منها :

  • مجلة رؤى تربوية – عدد 2012 – نحو رؤية تاريخية مغايرة / مقالة مترجمة لـ Pat Hoodles / تدريس التاريخ للصغار لـ Kieran Egan
  • ديداكتيك التاريخ, دليل منهجي لتدريس التاريخ / الحسن شكير
  • أدب الطفل , العربي بن جلون
  • Gérard Pinson, Enseigner l’histoire : un métier, des enjeux.

صورة معلقة على إحدى دكاكين المدينة القديمة بتطوان , حي الخرازين
أفاتار غير معروف

المعلق:

من مولود يولد على الفطرة إلى إنسان ينشأ في أحضانها و يترعرع.. الفطرة لنا حياة و أسلوب .. فلنسر في دربها !

3 آراء على “لماذالا يَدرسُ الأطفالُ الصغارُ التاريخَ؟

  1. السلام عليكم .شغوفة بالتعليم المنزلي متعرفة جديدة على مدونتك ربي يوفقك مشكورة علي هذه الكم من المعلومات

    Liked by 1 person

    1. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
      مرحباً بك. سعيدة بتعرفك على المدونة وأشكرك على تعليقك. آمين وإياكم.

      إعجاب

اترك رداً على غير معروف إلغاء الرد