قبل بداية الحكاية
ولدت في التسعينات، تلك الفترة الذهبية قبل سقوط مملكة الحياة البسيطة، وبداية عهد الانفتاح على العالم والتباهي على الملأ : عهد الحياة التقنية وعالم الميتا Meta .
شاهدت ريمي وضيعة محروس، وصبرت على مضض وأنا أشارك أخي مشاهدة كونان وداي الشجاع، وتفاعلت مع حلقات الكابتن رابح ورفاقه، وتابعت سلسلة فلة والأقزام السبعة ومدينة الصفصاف. ( أعرف أن جيل الثمانينات والتسعينات شاهدوا أغلبها وهم في غاية التركيز والتأثر 😅)
كنت اعود من مدرستي مساءً فأرمي محفظتي على الأريكة لألحق مابقي من دقائق في فترة الأطفال على القناة الوطنية الأولى.
صنع التلفاز ذكريات طفولتنا، مثلما تصنع وسائل التواصل واليوتيوب ذكريات أبناء اليوم.
لم تكن تلك الرسوم بالبراءة والعفوية كما تصورنا، لكن دفء البيت وحضور العائلة بدّد كل المخططات الهدامة وجعل منها لحظات سعيدة.
لم ننشأ بعيدين عن قيود الصورة النمطية والتأثير الاعلامي كما يتصور البعض، بل كنا نحن حقل تجارب نهائي قبل إطلاق التجربة العالمية على سائر الأطفال .. لذا لم تخل أذهاننا من رواسب فكرية وسموم تسري مسرى الدم، ولا يُدرك خطرها إلا بعد أن تتغلغل في العروق وتتشربها الفكر والروح، وأسوؤها نزعات النسوية ، أو لأقل نزغات شياطين النسوية. وستعرفون لماذا في نهاية هذه الحكاية الطويلة.
في صغري حلمت ان أكون صحفية مراسلة أو في قسم التحرير، كانت لدي شجاعة تكفي لأفصح عن حلمي هذا علناً وأتخيل تفاصيله.
ولما بدأت أعي ما حولي، وجدت أن عقلية أبي الريفية وحميّته لن تسمح بهذا أبداً ( والحمد لله)، ففكرت أن أحول الاختيار إلى المعلمة.و لم افكر ان اكون طبيبة يوماً! فقد كنت واعية بهشاشة قلبي و عجزه عن تحمل مشاهد الدم.
حتى مضت السنين وجاء وقت رسم المسار المهني، بعدما كانت نتائج البكالوريا تشرّف وجه الوالدين ( وتُحمّره)، ولم يتوانَ المحبّون عن إقناع أبي بإرسالي لاحقاً إلى الدار البيضاء أو فرنسا، فهناك تتحقق الآمال أكثر ( ولا أدري لم هذا الحرص!). ثم اخترت الهندسة كما نصحوني وتنبؤوا لي إذ قالوا لي : ستصلين بعيدا… (غادي تمشي بعيد بدارجتنا المغربية).
لم أفهم قصدهم آنذاك، لكنني فعلا وصلت بعيداً.. بعيييييداً عن نبوءاتهم و حدود الوطن!
ولما لم يكن بيني وبين تحقيق الهدف إلا قاب قوسين أو أدنى، رزقت بابني عمر، فانقلبت الموازين رأساً على عقب، وبدأت رحلة أخرى جديدة..
بقيم أخرى وأهداف مغايرة..
بدأت مسارا لم أكن لأفكر فيه يوما ولا لآبه له.
بل الحق أقول، بداتُ مساراً كنت أزدريه وأمقته من قبل، فما معنى أن تتخلي عن طموحاتك وآمالك المستقبلية التي سهرت الليالي لتحقيقها، ثم ما إن توشكي أن تبلغيها، وقد أتتك الفرصة بين يديك في جامعة أوروبية بمعايير ممتازة، ولّيتِ وجهك وتركتِ كلّ ذلك، دونما اكتراث ولا مبالاة؟! ما معنى أن تقتلي ذلك الطموح الذي سِرت من أجله وعليه علق المحبّون آمالهم، بل وتولّين وجهك نحو جهةٍ لم تكن بالنسبة لك إلا عدماً وهدراً وفراغاً ؟!
ولا أنكر أنني أول ما سرتُ في دروبه كنت في تردد وحيرة من أمري، فكأنما أُساقُ إلى هذا الطريقِ سوقاً، أعي رفضي الداخلي له وازدرائي إياه، ولكن قوةً كبيرة تدفعني إليه فلا أجرؤ على مقاومتها ولا على أن أبدِي رفضاً أو استياءً! إنها أقدار الله التي نسير إليها بمشيئته ، فما زدتُ في سيري ذاك إلا يقينا وثقة بأنه كان الخير لي، وأنه القدر الذي ارتضاه لي ربي.
إنه مسار الفطرة، فطرتي أنا، بعيداً عن النبوءات الحالمة، والصور النمطية وقانون التعليب. وهذه حكاية فصولها طويلة، سأسرد بعضاً منها ، لا للتسلية ولا لإثارة التشويق، ولكن لأبلغ رسالةَ ربي : وليس الذكر كالأنثى. فلستُ أكتب في هذه المدونة لأدعي حكمة أو لأتباهى بإنجاز، بل ليقيني أن تجارب النفس قد تفيد الغير إن أحسنّا تخليصها من التفاصيل الشخصية، لاستخلاص الدروس، ومشاركة العبر والفوائد. وليس من عرف كمن سمع، وليس من جرّب كمن لا زال غارقاً في بحر الصور و النظريات و الأوهام! وليس من تحدث بواقعية وصدق، كمن ادعى المثالية والقدرة الخارقة؟ !
طالبة علم
– الفصل الأول من الحكاية _
وحيدةً تسيرُ. تجر حقيبتها وأذيال الخيبة، فالعالم الوردي الذي صوروه لها من قبل ليس كالعالم الواقعي الذي تعيشه!
إنه لعالم بارد باهت، تفتقد فيه دفء البيت، ولمةً على مائدة الطعام، وشقاوة اخوتها الصغار..
إنه عالم موحش مخيف، لا تعرف عن أصحابه إلا أسماءهم، ولا تعلم إلا القليل عن القلة التي تصاحبها في السكن.
إن ألم المعدة أضحى لها رفيقاً، فالتوتر وفقدان الشهية يلازمانها منذ فترة، لا يدخل جوفها إلا قطعة خبز وكوب قهوة، فلا فكاك عن القهوة، رائحتها تشعرها بالأمان وتذكرها بدفء البيت. تذكرها بالوالدين ولمة الإخوة.
كانت لا تشربها ولا تستسيغ مذاقها، لكنها اضحت شرابها المفضل! بها تنتقل إلى عالم البيت، تشم رائحتها ولا ترشف منها الا القليل، تكفيها الرائحة لكي تعمها تلك المشاعر الدافئة في بيت الوالدين.
تعودت، وهكذا اخبروها من قبل.
لكنها تعودت أن تصبر وبقلبها غصة لا تزول، كأنه ألم دائم تعودت عليه، فاستحال جزءا من يومها.
ترتشف كوب القهوة صباحا، وكانها من خلاله تقول : صباح الخير يا أمي.
فتعاودها تلك الغصة التي تسفر عن دمعة تداريها!
نعم هكذا ستتعلم الصبر، فقد قالوا ان طريق طلب العلم محفوف بالاشواك والصعاب !
نعم ، لابد من الصبر لكي تحقق احلام الوالدين..
لم تكن، في الحقيقة، أحلام الوالدين فقط، بل أحلام الجيران والعائلة والمعارف والاصدقاء والمحبين ومعارف المعارف واصدقاء الأصدقاء وهكذا دواليك.. نعم إنها الحلم العربي الذي ينشده كل بيت!
وكذلك كانت كل طالبة معها، كلٌّ تحمل على أكفها أسطورتها التاريخة واحلاما معلقة.!
لقد غدون مرتع الآمال وأيقونة العائلة، فهكذا حال من يلج مدارس النخبة!
النخخخخبة، بصوت المهدي المنجرة!
صارت الهالة المقدسة تحيط بها ، فإنها على ثغر عظيم وسفيرة الخير العميم و مرآة السلام والإسلام، هكذا دسوا في عقلها هذه الأوهام!
عليها أن تتألق بالحجاب والدرجات العلا، وتحرز المراتب الأولى، فلا مكان هنا للمتأخرين والكسالى !
والناس هنا درجات ومراتب، درجة ترفعك ونقطة امتحان تهوي بك إلى القاع وأسفل الدركات!
– الفصل الثاني من الحكاية _
الهشاشة و الانكسار vs القوة والاستقلالية
ما اتذكره من اقامتي في الأقسام الداخلية هو حجم الاضطرابات التي بقيت اعاني منها. بل قل حالة من الاكتئاب أو ربما الكآبة المبهمة، لأن تلك الطريق بدت لي دربا مظلما مسدوداً.
ولأن فكرة العودة إلى نفس النمط ونفس وتيرة الحياة كانت بالنسبة لي عذابا نفسياً لم اعش مثله لا من قبل ولا من بعدُ، لله الحمد والشكر.!
وخلال تلك السنتين لم تكن تدور أسئلة المحبين كالعادة إلا حول الدراسة والتعود على الأجواء ودرجاتي في التحصيل..
وكل ناصح آمين لا يتوانى عن ترديد العبارة السحرية التي ما زلت أمقتها الي الآن : زير راسك، قسّح بلهجة ناس الريف.
لم يلمني أحد ولم ينصحني ناصح ويقول لي : ” هذه حياة تلائم الرجال، وليست لك انت الأنثى. مكانك بين أهلك، فإن شئتم، ارتحلوا جميعا حيث تدرسين! ”
ذاكرتي قوية بما يكفي لأتذكر تفاصيل ركوب الحافلات والتاكسي وضوضاء المحطة حركات عقارب الساعة المتباطئة في الليالي الباردة البائسة، فكيف انسى النصح الرشيد لو آتاني في تلك اللحظات وانا التي كنت كالغريق ينتظر قشة يتمسك بها ؟!
حتى الوالد لا يملك التراجع ، فالضغط العائلي الاجتماعي سيجعل منه شخصاً أخرق لو تركني اعود إلى مدينتي وادرس في إحدى الكليات او المعاهد! كيف تزجّ بابنتك إلى المستقبل المجهول البطيء !
هل صيّرتني هذه الأحداث وهذه المواقف امرأة قوية حرة، فتاة مستقلة كما يزعمون؟!
كلا..
بل إنني لم احس يوماً بالهشاشة كما استشعرتها آنذاك في تلك الفترات، وما كان يقيم ذاتي هو قراءة القرآن والاستماع إليه ، وسماع بعض المحاضرات التي تربطني باللغة العربية في وسط لم نكن نكتب فيه الحروف العربية إلا ساعة في الأسبوع على اقصى تقدير!
حتى البوح بتلك المشاعر والمخاوف كان قطعة من عذاب، فمن حولي يعني لهم ذلك فشلي الذريع في التأقلم ووجود فكرة بالزواج ورغبة بإيقاف المشوار والفشل في تحقيق احلام العائلة والجيران والمعارف والأقارب وآمال ابناء العم والخال، وكأنني حبل النجاة لكل هؤلاء.
وكأنني فرصة لكي يرى فيّ مرآة أحلامه كل من لم يحقق حلماً بالتفوق في دراسته.
– الفصل الثالث من الحكاية _
كــفـــــى
وجاء يوم صرخت من أعماقي : كفى!
فصول هذه المهزلة لا بد وان تتوقف،، فلست البشير أو بوشعيب لكي أتنقل من مدينة لأخرى وأسكن وحدي في الأقسام الداخلية مع طالبات لا أعرف عنهن إلا القليل، بحجة طلب العلم، وما هو إلا غلاف براق زائف لطموح بنيل الشهادة والوظيفة والمال، ولم تكن تلك أسمى أحلامي ولا مبلغ أمنياتي..
لبست ثوبا ليس على مقاسي، بحجة أن درجاتي هي التي توجهني لذلك التخصص..
سرت في طريق لا يناسبني، لأن معدلي يفرض علىّ ولوج مدارس النخبة..
وتعلقت بآمال لم تكن يوما أسمى أمنياتي، لأن ذلك ما يقتضيه سوق العمل.
×××××
——————–
🍀صراع فطرة الأمومة وتحقيق الذات! 🍀
بعد وضع مولودي الأول، لم يتوقف سيل الأسئلة العرم :
⁉️هل ستوقفين الدراسة؟
⁉️هل ستنهين المشوار الذي بذلت فيه جهدا وتعبت فيه؟
⁉️هل ستستسلمين للبيت والأولاد وتوقفين أحلامك؟!
حقيقة، جل هذه الأسئلة كانت صادرة من أمهات، ولا ادري هل كن تحت تأثير غاز سامّ افقدهنّ الوعي ورجاحة العقل، أم كن يرين فيّ انعكاس صورة هزيمتهن في رحلة تحقيق الذات بعد الأمومة؟!
📍ولا أدري هل تلك النسوة نسين آداب التهنئة بالمولود الجديد، او حسبن الأم الجديدة معفيّة من آلام الوضع والرضاع، ام تراني لا ينطبق عليّ وصية الله عز وجل لمريم عليها السلام :”فكلي واشربي وقرب عينا”
بحثت عن الأعذار لألتمسها لهنّ : ربما تعب نفسي وربما تأثير صادم لتوقف مسيرة فتاة كانت أقل ما يمكن أن يقال عنها : متفوقة في دراستها.
وكانت اجابتي تنم عن سذاجة ربما، أو حسن نية لٕنقُل :
- ومن سيبقى مع رضيعي؟!
هنا تنبع الحلول الذكية والاقتراحات الإبداعية التي لا نظير لها، وكانت تذهلني حقا!
فكلّ اقتراح كان اسوء من الذي يسبقه!
بل وما أستغرب منه كيف لنسوةٍ عشن في بيوتهنّ معززات مكرمات أن ينتقصن من أدوراهن ويقلن لأم في بداية العشرينات وفي أول طريق الأمومة:
“اذا استسلمت وتخليت عن حلمك بأن تصبحين مهندسة فستندمين ولن ينفعك ندم”
فكيف لهذه الامّ الشابة ان تصبر على كل هذه العبارات السامّة المتراكمة وهي وحيدة في قلب أوروبا وفي الأيام الشتوية الباردة الكئيبة.
ولم أنس تلك العبارة المثيرة للاشمئزاز : ” البيت والاولاد ملحوقين.. الدراسة إذا ذهب وقتها لا يعود”
ومرّت 12 سنة بالتمام والكمال على سماع تلك العبارات السامّة لاحمد الله وأشكره ان بصّرني بما كان خيراً لي.
فالسنوات الاولى من عمر ابنائي لن تعود، وكل ما بذلته من جهد مع ابني الاكبر لم يذهب سدى ولن يضيع أجره عند الله عز وجل. أما الدراسة فملحوق عليها ولا تفوت، فباب الجامعة مفتوح دائما.
والحق يقال، ثقل هذا القرار كان كبيرا لا يتصور، فكيف تنتهي مسيرة حافلة بالنجاحات والتفوق والاجتهاد قبل أن تكلل بالتخرج النهائي في مسار الهندسة
نعم لم أكمل مسار الهندسة إلى نهاياته التي كنت أطمح بلوغها، ولربما نال مني الندم أو الحسرة أو تأنيب الضمير في البدايات، غير أنني كنت اتخفف من ذلك الثقل عاما بعد عام، وتجربة بعد تجربة..
وفي كل مرة، كانت تنجلي الغشاوة عن بصري، فأرى الأمور بوضوح وبينة، فيتبين لي المسار المعلب الذي فرض علىّ من المسار الذي قدره الله لي وشاء أن أسير فيه، وهو مسار فطرتي مسار الفطرة..
نعم لم أحقق ما رُسِم لي من أحلام ،لكنني تفرغت للاعتناء بأبنائي وتعليمهم العربية في بلد غربي، أخوف ما نخاف عليهم فيه هو. تشوه الهوية ومن بينها اللسان العربي.
لم يصيروا لا سبيويه ولا المتنبي ولا لديهم فصاحة امرؤ القيس أو جرير، لكنهم يفهمون الكلام العربي ويقرؤون كتاب ربهم وهذا يكفيني ولله الحمد والمنة.
كفاني الله رؤية الوجوه المزعجة وسماع الكلام التافه الخبيث ، وهناء التنسيق بين الطلبة في العمل الجماعي لأكون مع نساء فقط، ونجاني الله من العودة إلى بيتي ظلاماً.
ظللتُ اتنقل بين حلقاتي ودروسي عن بعد، ولا أسمع إلا عبارات ” غريب ، وكيف تكون هذه الدراسة في الانترنت! بل كيف تُجتاز امتحانات عن بعد!”
ومرت سنين لأجد كل من كانوا يسخرن من دراستي آنذاك غارقات بين قاعات الأونلاين وتشغيل تطبيقات الغرف الصوتية ،سواء لهن او لأبنائهن.. نعم كان ذلك في كورونا.
🌸وهل توقف التعلم والدراسة مع بداية الأمومة؟
كلا، بل على العكس من ذلك، بدأت مسيرة دراسية أكثر عمقاً وصعوبة من سابقتها.
لقد حتمت علي دراسة هندسة الإنسان : فهم سلوكه وتكوينه وخصائصه النفسية ومراحل النمو، وكذلك الاطلاع على الجانب الفزيولوجي، لاتعلم كيف أمرّض أبنائي واعتني بهم،
زد عليها دراسة تخصص أحبه مع متابعة خبراء ومختصين.
والحمد لله لم أحتج في كل هذا مزاحمة رجال في الحافلات ولا مقاعد الجامعات ولا العودة متاخرة إلى بيتي، بل جله من معاهد مرخصة تعتمد التعليم عن بعد.
ومازلت أدرس وأتعلم ،فلم أوقف مسيرة التعلم يوماً لانه مسار حياة لا فترة محددة لنيل ورقة وكرسي في وظيفة
ولئن كنت أوقفت مسيرة الكفاح وتحقيق الذات يوم لم أحقق طموح الغير، فإن لي آمالا متجددة، في شتلات اعتني بها واتعهدها بالعناية والرعاية على هدى من الله، وأملي أن تكبر فتغدو شجرات نضرات أصلها ثابت وفرعها في السماء..
🍀نعم، الأمومة أوقفت مسيرة المهندسة اللامعة،
لكنها فتحت أبواب أخرى لهندسة أخرى. لا تدرس في المدارس ولا الجامعات، فهي هندسة الأجيال وهندسة الإنسان، وحسبي هذا التخصص شاغلاً وثغراً.
🔻همسة 🔻
أقول هذا الكلام من باب النصح والأمانة، فكثير ممن تجهل تفاصيل الدراسة بالمدارس والمعاهد تضغط على بناتها وبنات غيرها بالسفر واختيار تخصصات لا تلائمهن بحجة ضمان الوظيفة والمستقبل.
وهو في الحقيقة كلام قديم لم يعد من الخطابات التي تلائم هذا العصر. فالفتاة تحقق ذاتها بحقٌ حينما تقوم بما تحبّه (فيما يرضي الله) دون تدخل من الغير او ضغط منهم.
وقد رأينا مآل الاعتماد على الفتاة في العمل والانفاق في تشتيت الأسر فدعونا نعُد إلى أصولنا وقواعدنا المستمدة من الشرع. تلك القواعد التي تبقي على فطرة الانثى ونخوة الرجال..
فوا أسفاه على رجال بلحىً ينتظرون راتب الأنثى وهم ليس بهم عاهة أو ما يعوقهم عن العمل..
الفتاة تتألق بفطرتها وفي وظيفتها التي سخرها الله لها.. أن تكون نجمة في بيت والديها وبين عائلتها ، ثم تتألق في بيت زوجها إن كتب الله لها الزواج. وإن لم يكتب لها ذلك،فهي تبقى النجمة بين أهلها ، تقوم بما تحب القيام به وتخدم أمتها بما يسره الله لها من علم او فن او صنعة.
وهذا من أعظم ابواب الخير.
فياليت من لم تحقق أحلام صباها من طب وهندسة ألا تدفع ببناتها نحو ذلك دفعاً،بل تتركهن على فطرتهن.. والتخصص يتحدد مع الوقت، وإن كان لهن نصيب من ذلك فسيؤتيهن الله خيراً.
وكفى بالله وكيلا.
🍀وهم التعلق في نسخته المحدّثة.
حينما ارى صغيرتي تكبر يوما بعد آخر، وتنهال عليها أحيانا تلك الآمال المعلقة والأمنيات الجاهزة، يأخذني ذعر شديد وخوف كبير وغيرة عليها وعلى سائر بنيّاتنا.
أخشى أن ننزلق في نفس المنزلق، ونهوي في نفس الحفرة، حفرة التعليب وتعليق الآمال وصورة والاستقلالية الوهمية.
لقد مرت 14 سنة على ذلك اليوم الذي خرجت فيه من بيت أبي إلى المدرسة الداخلية التابعة للاقسام التحضيرية، في سبيل “طلب العلم”.
ولو عاد بي الزمان الي الوراء لما ابتعدت عن والداي ، لان تجربة البعد والعيش خارج البيت كانت مصدر قلق وكآبة. لم تكن مصدر قوة واستقلالية بقدر ما كانت سبب هشاشةٍ وضعف!
و مع تحولات المجتمع وطفرة التكنولوجيا وظهور الحقائق، توقعت ان تكون الغشاوة قد زالت عن بصر الكثيرين ،فسوق الشغل متغير، متبدل حاله، خاصة مع التطور التكنولوجي و ازدياد عدد المعاهد والمراكز في المدن المختلفة..
بيد ان الناس ما زالوا في سكرتهم يعمهون،هذا ينصح ذاك وشبح مدارس النخبة مازال يطارد العائلات ، وخاصة من لا قدرة له على تكاليف مدرسة خاصة!!
مازال الضغط علي الفتيات قائما، لتسافر وحدها وتدرس وتنال الشهادة وتعمل، وياويلها لو قالت انالااريد العمل! انا لا احب الوظيفة لانها تقيدني!
ما زال هذاالوهم لم ينجلي .
ومازالت النصائح الجاهزة تسدى دون حسيب ولارقيب،،
المهم ان تصل تلك الفتاة لعمل او وظيفة وتتحرر!
مماذا تتحرر!؟؟
وهنا بيت القصيد : مماذا ستتحرر؟!
لا بد من سؤال المعنيات بالأمر. فعندهن الإجابة الشافية الوافية..
قديماً كانت تعلق أمل عمرها على الزواج فقط، لكن الآن تتعلق الآمال على وظيفة ودرهم وعجلاتٍ سيارة..
لم نحرر فتياتنا من وهم التعلق بطريقة او بأخرى.. وقد آن الأوان أن نربيهن على السير في طريق الخير والفطر، والتعلق بالله عز وجل فقط، دون ما سواه. فهذا هو سبيل الخلاص.
هل تتحرر من سلطة أبيها؟
من نظرةالمجتمع لضعف المرأة ؟!
المجتمع بحاله مريض شاحب، فنظرته باهتة ذابلة، الأفضل الا تابهي لها اصلا
من نفسك؟!
ربما، فحينما تسبرين في طريق لان هناك من فرضها عليك فهنا انت قد تحررت من سطوة نفسك عليك وهربت من صوتها ونداءاتها
من الرجل؟!!
من رجل لم يأت بعد؟!! من زوج لا يعلمه الا الله؟!
لكنك حينما تحسبين انك تحررت من الرجل، تقعين في قيد الافكارالنمطية وأسر المعتقدات الجاهزة، فتعيشين حيااتك وصوت تلك المعتقدات يطاردك،،
وفي النهاية ستصطدمين بنفسك ووجهك في المرأة
ستجدين صورة لم تريديها ووجها لم تحبيه يوما
وستسعين للمداراة والتصنع مجدداا
——————–
قديماً كانت تعلق أمل عمرها على الزواج فقط، لكنها الآن تعلق الآمال على وظيفة ودرهم وعجلاتٍ سيارة..
لم نحرر فتياتنا من وهم التعلق بطريقة او بأخرى.. وقد آن الأوان أن نربيهن على السير في طريق الخير والفطرة، والتعلق بالله عز وجل فقط، دون ما سواه. فهذا هو سبيل الخلاص.
همسة إلى أمهات البنات خصوصاً.
أنت يا من تربين ابنتك وتغرسين فيها نزعة التفوق على الرجل وتحقيق الذات فقط من خلال الشهادات والوظيفة والدراسة الاكاديمية، تذكري يا هذه : وليس الذكر كالانثى..
فلا تكن سقياك لغراس ابنتك ماء يذبلها ويقتل نضارتها، لسنا في معركة ولا حلبة سباق ولا منافسة، نحن في حياة..
ابنتك ليست كابنك،، إنها أنثى.. ولها طريقتها الخاصة لكي تتألق وتشرق ندية..
وأما هو، فله طريقه الذي يصقله ويهيؤه لمعترك الحياة ومواطن الرجال.
فلا تفسدي فطرتهم بنزعات جاهلية غرست فينا منذ الصغر واشربنا سمها مع الملح والخبز والطعام.
على الفطرة.
يتبع بإذن الله تعالى
