نشرت تحت تصنيف أمومة، تربية

التربية بين الأصل الثابت وفتات الموائد الغربية.

كنت اتصفح هاتفي وابني الأكبر بقربي، فرأينا صورة لكتب مرمية على الأرض. كانت كتباً ورثها الأبناء عن الأب لكنهم باعوا المنزل بما فيه المكتبة. ولجهل المالك الجديد،فقد أخرج الكتب ورماها في الشارع دون أن يكثرت لقيمتها او حتى يفكر في بيعها!

فقلت لابني : ترى ما انت فاعلٌ بكتبي حينما أموت .؟


دون تفكير قال لي : ذاك الرف العلوي هناك، سوف أبيع كل الكتب التي فيه ونتقاسم ثمنها أنا وإخوتي.


قلت : لم ؟
فأجاب: برأيي فلتفعلي هذا الآن.. خذيها وبيعيها فإنك لست بحاجة إليها.

استغربت وسألته عن السبب؟ فأجاب :


هي كتب غير عربية , تعلمك كيف تقولين لطفل صغير لا حينما يلمس المقبس الكهربائي . وتقول لك ان قام طفلك بسلوك سيء أن تخاطبيه قائلة : هذا تصرف سيء لا تكررها مرة أخرى..


ماهذا الهراء؟ نضيع المال في كتب لتعلمنا ماذا نقول لطفل صغير..
هذه أمور بدهية؛ معلومة ومعروفة, لا نحتاج الى شخص فرنسي وغير مسلم أن يعلمها لنا.. نحن مسلمون ولدينا قرآن يعلمنا ماذا نفعل ومالا نفعل..

اذن الافضل ان تبيعيها .لانني لن أقرأها.

في الحقيقة ذهلت وصدمت.. فقد كان كلامه حقا..
هذا هو ما كانت توضحه لي تلك الكتب. أمور لو اكتسبناها بالتربية الصحيحة وبالمشاهدة الاجتماعية وتراكم التجارب الواقعية من حولنا، لما احتجنا الى كتب كهذه لتعلمنا إياها

سكتُّ لوقت،ثم قلت : لوبعتها ربما أنسى ذات مرة الخصائص العمرية للطفل في سن ما , والحالات التي قد تبدو؟!

فأجابني: لن تنسي! تلك المعلومات تظهر حينما تحتاجين إليها.. وفوق ذلك , نحن مختلفون, فأخي زيد مثلاً لن تجدي طريقة التعامل معه في الكتب, لانه طفل غريب.، لا أعتقد أنه مرّ عليهم طفل بغرابته وتقلب مزاجه! 😊

تاه عقلي وشرد في مسار سنوات.. من بداية الرحلة إلى يومنا هذا.. كيف كنت ومن أين عبرت وماذا اخترت..

في نفسي , شعرت كمن يدور في تلك الحلقة اللامنتهية في حلم أو في نهاية حلقة الرسوم المتحركة..

📚📚📚📚📚📚📚📚📚📚📚📚📚📚📚

تذكرت كيف ظللت وقتا اتخبط, اقرأ من هنا وهناك, و اتعلم من هنا وهناك..

أقرأ مقالة على babaycenter عن الحضن والاهتمام بالطفل فأحاول فعل ذلك..
أسمع محاضرة لأبو سعد فألتقط منه كلمة احتواء و فهم الطفل فأسعى لفهم طفلي لكنني لا أنجح دائما..

أقرأ كتبا عن المشاعر بالفرنسية وفلسفات تربوية بالانجليزية وشذرات من هنا وهناك, فيندفع الفكر الناقد بداخلي : أوتأخذين منهجك التربوي من كفار لم يعرفوا معنى لا اله إلا الله؟!

أتنقل بين كتب التربية الاسلامية والمراجع فلا أجد الا احكام المولود وواجب الوالد على ولده والصبر والرفق.. لكنني لا افهم كيف أتعامل مع ابني ذي السنة ونصف وهو يفتح الادراج ويلمس اماكن الخطر: هل اقول له لا فقط؟ هل اضرب يديه بخفة؟ هل ابعده عن مكان الخطر مائة مرة؟


أرجع الى محاضرات المختصين النفسيين والتربويين لكي افهم أكثر. فانفتحت على عالم آخر. عالم تطور النظريات التربوية والابحاث في العلوم العصبية , فكانت بوابة واسعة فتحت الافاق لكنني زدت تيهاً.. هل هي حقيقة ٌ أم محض تجارب وأطروحات جديدة؟! وإن كان فيها صواباً فأيها أطبق؟!

كبر ابني واقترب وقت دخوله للمدرسة الا انني لم اجد مدرسة بمعاييري : اللغة العربية والهوية الاسلامية.. ففضلت ان يقعد معي في البيت يغسل الاكواب ويلعب بالعابه على ان يكتسب لغة اخرى لا اعلم كيف سيتخلص من هيمنتها ولا من هيمنة الثقافة التي تغرسها فيه ولا من الاقتداء بأهلها.

فقلت لا ابد ان اصير معلمة, لأن التعليم ليس مهنة من لا مهنة له..

بدأت الدراسة في معهد خاص, وكنت لا أكف عن مراقبة طفلي عن كثب وانا اقرأ تلك النظريات..

أحب المناهج المتكاملة التي توضح لك المحتوى والهدف, لذلك استمتعت بتلك الدراسة الاكاديمية وكنت كلما وجدت مفهوما لا يقبله عقلي ولا مرجعي الإسلامي , سطرت عليه وووضعته في خانة : يخضع للتنقيح والمعالجة..

قرأت عن تطور كائن اسمه الطفل, فهمت مراحل النمو.. وكنت كلما وصلت لنهاية فقرة بحثت عنها بالعربية فوجدت دورات متميزة على منصتي إدراك ورواق.

تعززت لدي المفاهيم وصار المجال أوضح.. لتعليم الطفل لا بد من فهمه, ولا بد من فهم مشاعره والتدرب على أسلوب تواصل ناجح وفعال..

  • أريد أن ترتب فراشك الآن” عوض: تعبت من” تذكيرك بترتيب فراشك, لا افهم لماذا على تكرار هذا الأمر مئة مرة؟! ألا تفهم!
  • ضع الألعاب التي على الأرض في الصندوق” عوض : صارت الغرفة مزرعة ومزبلة، ألا ترى هذه الفوضى؟!

صار الفرق بين التعليم العادي الكلاسيكي والتعليم المرن واضحا.. هناك اساليب تربوية لجعل التعلم نشطاً ومرنا..

والتدريب والتطبيق المباشر كان يقع على ابني ومن أدرسهم كبارا وصغارا.

صار الأمر يتضح افضل.. وبدأ المسار يتجلى.. لكن لابد من العثرات في كل وقت وفي كل حين، فهكذا هي حياتنا..

قلت ربما أجد في المونتسوري ضالتي. فأخذت دورات بعضها بالعربية، مثل دورة دعاء مجدي، وكانت دورة رائعة متكاملة بالفعل، و أخرى بالفرنسية . استلهمت مما تعلمت طريقة لعملي مع أطفالي لكنني أيضا موقنة بانني لن اطبق المنتسوري مية بالمئة لانه ليس قرآنا.. سأقتبس منه فقط ما يلائمني..

أردت التعمق في فهم الطفل فبدأت دراسة أخرى في نفس المركز محورها : سيكولوجية الطفل..
وفعلت كما السابق, اقرأ في المراجع وأتابع دورات أخرى بالعربية بالموازاة مع ذلك..

ثم قلت لا بد من التطبيق, فحضرت ورشات تطبيقية مع اخصائيات في علم النفس والإرشاد التربوي.
أحسست بمعنى جهاد التربية حقا, فهو كمن يحفر نفقا تحت الأرض.. يبصر النور قليلا ثم يعاود الحفر..


تساءلت لفترة : لم كل هذه المعاناة؟ لم ضياع الوقت والمال ؟ لم تعقدين الامور وتعيشين حياتك وكأنك تحضرين لاختبار.. عيشي مع ابنائك بعفوية واتركي الامور تأخذ مجراها الطبيعي!

لكنني لا احب السير التائه.. أريد أن أسير على بينة.
لأن تربيتنا ومحيطنا لم يعلمانا كيف نتعامل مع الطفل وكيف نستمع الى الأم وكيف نتواصل بوضوح. لو كانت تربيتنا تشمل ذلك لكنت احتجت الى التطبيق والتوجيه لا الى قراءة المواد النظرية وتنقيح ها!
لو كانت المراجع بالعربية وفيرة وغنية , لما احتجت الى التخبط بين كتب الفرنسية والانجليزية وفيديوهات شارلوت ميسون وفيليوزا و المنتسوري!

عدت الى مساري واعتبرت انه تصحيح وتنقيح لمنهج سيرثه أطفالي من بعدي, وبإذن الله لن يحتاجوا لقراءة كل تلك الكتب, بل سيرون التطبيق مني عياناً ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وسأترك لهم المفاتيح بين كتاب الله وسنة نبيه فليس بعدهما شيء، بل هذان هما الأصل الذي يجب الوقوف عنده وفهمه ودراسته. ..

ومازلت كذلك حتى لحظة كتابة هذه الكلمات : مابين دراسات متخصصة في التدريس الذي أحب ، ومابين قراءات وبحث عن مصادر تغني تجربة التربية والامومة، لكن بعين على القرآن والهدى النبوي، ومن رغبة في فهمهما فهما صحيحا على ضوء كلام الله لا ضوء علم النفس الغربي.

فنحن الأمهات في تربيتنا لأبنائنا كذلك الذي يبني صرحاً.. يضيف لبنة من هنا ويرمم سارية من هناك..

نتعلم ونطبق، فما نلبث ان نرى الثمرة بعد حين. وتأتي بعدها عثرات وصعوبات تشعرنا بعجزنا وقصور معرفتنا، فنلجأ إلى الله قبل كل وسيلة، ونرتب الأوراق المبعثرة لنصل إلى كل للمشكلة.

نعم، هو سيرٌ طويل..ومسيرة اصلاح وتغيير وتقويم لا تتوقف ..
فهكذا هو سيرنا على هذه البسيطة : حتى يغيروا ما بأنفسهم.

📚📚📚📚📚📚📚📚📚📚📚📚📚📚📚📚

انتهت دوامة التفكير هنا. 😊

وأعود إلى قصة الصورة والكتب. إن ظل ولدي على فهمه هذا، فلا شك أنه سيتجاوز الكثير من المراحل اللامهمة، والكثير من التخبط والعثرات. والله أعلم بزمان أبنائنا وتحدياته كيف ستكون! نسأل الله أن يعلمهم ويفقههم في الدين ويثبتهم على الحق.

بقى لي أن أقرر في مصير الكتب. هل أرميها أم ابيعها ام اخبئها؟

لابد من تنقيح المكتبة مجدداً والتخلص من كل ما يورث الشك أو سوء التربية، وإن تنوعت مسمياته.


لكن بعضها يستحق أن أحتفظ به، وخصوصاً ذلك الدليل المصور لسلوكيات الصغار،والذي سخر منه ابني.. سأتركه لربما يتغير رأيه عندما يكسر ابنه المستقبلي شاشة حاسوبه أو يشبعه بكاءاً ليلا والناس نيامٌ, حينها سينسى اسمهُ ومن أي حقبةٍ زمنية قد جاء..☺️

انتهى.

بشرى أم عمر


قائمة بمراجعة تربوية منقحة ، ابدئي بها، تكفيك عناء التخبط وتنقيح المراجع الغربية :

  • رفقا بعقيدتي يا أمي،. لسوزان أم عبد الرحمن بخيت
  • مقالات أسماء محمد لبيب
  • مقالات شيماء مشرف
  • دليل نماء
  • محاضرات فقه النفس لذاكر الهاشمي
  • كتب سلسلة التربية الرشيدة لعبد الكريم بكار
  • محاضرات علي الشبيلي. مقطع له : https://youtu.be/9nV-T1h0zJY
  • الأطفال المزعجون لمصطفى أبو سعد
  • الحقيبة التربوية من مركز دلائل
  • كتب أحمد عبد المعطي
  • دورة مربي القرن

وإنك بعد الاطلاع ولو على بعضها ومدارسته، سوف تبنين لديك حصانة تربوية ومناعة فكرية. وما قرأت بعدها من مصادر أجنبية أو دورات فسوف تستفيدين منها في إغناء التجربة وتعلم بعض الأدوات، أي أمور تقنية كمالية وليس في بناء الثوابث والأسس من خلالها

أفاتار غير معروف

المعلق:

من مولود يولد على الفطرة إلى إنسان ينشأ في أحضانها و يترعرع.. الفطرة لنا حياة و أسلوب .. فلنسر في دربها !

رأي واحد على “التربية بين الأصل الثابت وفتات الموائد الغربية.

  1. استمتعت بقراءة هذه التدوينة كلمة كلمة، أسلوب عذب منساب وتجربة صادقة تشبه كثيرًا مما مررت به، أرجو أني تجاوزت مراحل التيه والتشتت الكبرى وأن المناهج التربوية الإسلامية بدأت تنضج في طريقة تقديمها وعرضها سواء من خلال الكتب أو الدورات النافعة خلاف ما كنت أجد من قبل من مصادر لا تشبع حاجتي للتفاصيل والتطبيق العملي .. وبعد المرور على كثير من النظريات والكتب وجدت ضالتي لدى الأستاذ أنس كريّم، وأجده مستوعباً لكثير من المناهج التربوية الأجنبية والإسلامية وغيرها مع تأصيل شرعي قوي وطرح حكيم متزن زاخر بالأمثلة الوفيرة من واقعنا اليومي، – نحسبه كذلك والله حسيبه- .. بورك لك في وقتك وجهدك وأبنائك 🌸

    Liked by 1 person

اترك رداً على غير معروف إلغاء الرد