يروي سيمون كرونوفسكي الذي نجى من الاضطهاد النازي لليهود في القرن 20, ما مرّ به في طفولته في بروكسيل، ببلجيكا أثناء الاحتلال النازي. فحكى في كتابه عن تفاصيل ما مرّ به هو وأسرته في الاحتجاز وكيف مات منهم من مات، و كيف نجى هو من ذلك..
كان كتابه ذاك مخصصا للأطفال، وعززته رسومات تصور القصة بتفاصيلها، في إخراج مُتقَنٍ، فكل الأحداث المؤلمة بلون أسود ورمادي، في حين جاءت الأحداث المفرحة منها، أو بريق الأمل إن صح القول، بألوان مختلفة.

قرأ ابني هذا الكتاب ضمن برنامج تعلماته.
ولا اخفي أنه تأثر لذلك، وهذا أمر طبيعي، وبدأ يثق بنسخة سيمون في تصوير المظلومية والاضطهاد الذي عاشه.
وبينما كنت أشتغل على إعداد قوائم القراءة لإحدى المؤسسات ، وجدت كتاب ذاكرة منصور..
نسخة عربية تشبه قصة سيمون إلى حد كبير..
في الإخراج والمزاوجة بين نمط الألوان الحيادية والأسود/ أبيض،وكذلك في تبسيط الحكاية للطفل.
منصور طفل يعيش في بلد لم يذكر اسمه، لكن به غصن زيتون وشجر برتقال، ورجاله يرتدون الكوفية.
يعيش مع أهله في قريتهم آمنين، لكن شرطة الذاكرة تطردهم وتريد أن تمحو ذكرياتهم من الوجود، فتطمس ما تستطيع منها، لكن منصور يتسلل للقضاء على شرطة الذاكرة، فيلقى حتفه..

النهاية مصورة بطريقة فنية وكتابية رائعة، إذ،يكبر حجم منصور ويصبح أقوى من كل الجنود فيقضي عليهم وتعود الذكريات للقرية..ويتخلص الناس من شر شرطة الذاكرة..
رمزية عجيبة في القصة، أعجبتني لأنها تسعى لتعريف القارئ الصغير بواقع نعيشه دون تصوير قساوته، ومع القارئ الناشئ بتعليمه استخلاص المغزى من رمزيات القصة وأسلوبها غير المباشر، فيتعرف على أساليب فنية وبلاغية كالتشبيه والتصوير والسجع.
وفي الآن نفسه، تعد القصة شاملة، فلم يَعُد الظلم والحرب حكراً على بلاد الكوفية والزيتون، فما جاورها أيضا في حالة من الظلم والحرب والنزوح، مثل سوريا والعراق وغيرهما..
هو واقع واحد وازمنة جد متقاربة لكن زاوية الحكاية تختلف؛
فسيمون الآن يعيش آمنا في بلاده بعدما انتهى الاحتلال النازي ولم يستول على منزله أحد وزال أثر ذلك.
أما منصور فهو كان يعيش المعاناة.. وما زال!
منصور هو ذاك الشيخ الذي خرج من خيمته وبيته، وقضى ما بقى من عمره لاجئا في مخيم،
منصور هو. ذاك الشاب الذي خرج من القرية مدافعا عنها لكنه هرمَ باحثاً عن وطن، فلم يعثر عليه، ولم تسعفه قدماه في البحث لأن إحداهما بترت أثناء الحرب 48.
هو ذاك الرضيع الذي خرج تحمله أمه بين ذراعيها ولم يفتح عينيه إلا على وطن مؤقت..
منصور ذاكرة تاريخ وحكاية شعب وَكمية الألم في جسد هذه الأمة..
كتاب راقٍ حقا ومما أعجبني فيه هو محاكاته للواقع دون الغفلة عن أن القارئ طفل، فجاء تصوير مفاهيم مجردة مثل الحرب والذاكرة والألم والموت في سياق يلائم عقول الأطفال ومستوى تفكيرهم ويحترم مشاعرهم.
من إصدار دار حكايتي
رسوم ديالا زادة
كتابة محمد خالد.

