نشرت تحت تصنيف رحلة الضاد

طرق تعزيز اللغة العربية للأطفال المغتربين

أنا أم مغتربة وأطفالي لا يستطيعون التحدث بالعربية بطلاقة، إذ يمزجون في حديثهم بين العربية واللغة الأجنبية ويخطئون في الإتيان بالتراكيب السليمة،فعوض أن يقول أحدهم :
أنا أذهب إلى المدرسة , فهو يقول أنا يذهب في المدرسة.

هذه لي / هذه لأنا
هذا لك / هذا لأنت

أريد سيارتي / أريد ma voiture

وغيرها الكثير…

مالعمل؟ وهل من اقتراحات لتقويم المسار؟

هذا السؤال يأتي كثيراً، وهو واقع يعاني منه كل المغتربين المقيمين في بلدان غربية.

وقد عايشت هذا الواقع وعانيت من نفس الأمر مع أطفالي. لذا سيكون جوابي هو مشاركة لأهم ما استفدته من تجربة 10 سنوات من تعليم العربية لغير الناطقين صغاراً وكباراً ولأبنائي.


الوسط يلعب دوراً كبيراً، بيئة الطفل مهمة جدا في تأسيس لغته، ولذا حينما لا نجد في محيطنا من يساعدنا في ذلك، فإننا نحاول أن نأتي بالقدر المستطاع من الوسائل في البيت. فإذا كان الأطفال في المدرسة يتلقون التعليم بلغة غير لغتهم الأم، فهذا، وان كان سيُثري الجانب اللغوي، إلا أنه يشكل تهديداً للسانهم العربي و لهُويتهم الثقافية.

لكن

هناك عادات أراها كفيلة بتأسيس اللغة العربية عند الطفل وحفظها :


1-المحادثة:
هناك وجهات نظر وآراء مختلفة، لكنني أفضل وأميل إلى نظرية اكتساب اللغة العربية بالفطرة والممارسة، أي أن يكون تعلمنا للغة كلاماً في كلام، وحديثا ومحادثات .😊
في البيت نحرص على التحدث بلغة عربية معهم. إن أخطأوا نكرر العبارة الصحيحة كنوع من التأكيد والتشجيع. مع التكرار سيضبطونها.
وقت الطعام مثلاً يكون حديثنا بها، أو وقت!اللعب، ولم لا في سائر اليوم إن كان ذلك ممكنا؟!
ارتباط الحديث باللغة العربية لدى الطفل بشيء محبب سيكون له أثر عليه : أناشيد، رسوم متحركة، تطبيقات للقراءة (ان كان مسموحاً باستخدام الشاشات لمدة محددة بالطبع)

ولمزيد من الاستفادة في هذا الأمر يفضل قراءة مواضيع تشرح نظرية “الفطرة والممارسة” للدكتور عبد الله الددنان فهو يشرح الأمر بطريقة جميلة ومؤسسة علميا وهناك فيديوهات على اليوتيوب.

2- القراءة :

واختيار كتب باللغة العربية تحببهم في القراءة وجعلهم يتسلون فيها.
القراءة بصفة منتظمة تحفظ ما تعلمه الطفل وما اكتسبه وانتقاء أجمل الكتب وأجودها في المحتوى أمر مطلوب،فكتاب واحد ذو جودة ومضمون متميزان يغنيك عن بضع قصص مترجمة ركيكة. واستثمار المال والوقت في جعل القراءة عادة لدى الطفل يستحقّ ذلك.
قراءة الكتاب بطريقة تفاعلية وترديد بعض عباراته ومناقشة محتواه عبر أسئلة بسيطة تارة ومركبة تارة أخرى يبني مهارة الاستقراء والاستنتاح وحل المشاكل والتفكير المنطقي.

3-منع التحدث في البيت بغير العربية :

( عامية أم فصحى لا يهم)
هذه النقطة بالذات هي قناعتي الشخصية التي لها ما يسندها علميا، فاللغة الأم للطفل تظل هي متنفس مشاعره وأفكاره ومصدر فخره بهويته وثقافته. وإن كان البيت لا يدعم هذه الجانب، (طبعا أتكلم عن ابوين عربيين) فسيكون من السهل تفلتها واعوجاجها.

4- حفظ القرآن :

فهو باب لكل خير وبه يستقيم اللسان وتحفظ اللغة
وقد جئت به في آخر الأمر لعله يظلّ أهم ما علق بالذهن وخير ما يحرص عليه قارئ هذا المقال. وهنا ينبغي حسن اختيار معلم القرآن والحلقة او المدرسة التي تحرص على ذلك. وإن كان المعلم يحسن الحديث مع الأطفال بالعربية فهذا هو عين الطلب والمقصد.

هناك بعض الملاحظات التي أريد إضافتها :

ألاحظ أمراً لا أميل إليه ولا أتفق عليه في تعليم اللغة العربية لأبنائنا في بلاد الغرب، وهو :
*تقديم تعليم النحو والقواعد قبل ضبط الكلام والتحدث.
فالأفضل والأولى تعليمهم الكلام وفهم المعنى قبل تعليمهم بناء الجمل والتركيب والنحو والصرف.
هل من المنطقي أن تعلم طفلاً ذا 10 سنوات كيف يعرب ويصرف فعل :حرث، وهو لا يحسن بعدُ الإتيان بجملة صحيحة نطقاً وفهم بعض المفردات الأساسية؟!

أمر عادي أن يحدث لهم الخلط في استعمال اللغات والكلمات فيقولون مثلا :
: أطبخ الفريت، عوض أقلي البطاطا أو يستعملون تركيبة لغوية فرنسية او انجليزية باستبدال الكلمات العربية. حينها نحن نقوم ونصحح : لمن هذا الهاتف؟ هذا لي
هل هو لك؟ لا هو لمحمد.
لمن هذه اللعبة؟ إنها لي
أنا أحضر الطعام. وانت ماذا تفعل يا احمد؟-
وماذا يفعل بابا؟
هل يقرأ القرآن؟
😉ركزت معي في إسناد الفعل إلى الضمير : هو يـ….. أنا أ…… أنت تـ….. 🖍️
ممكن أن نجعلها لعبة لغوية نقوم بها من حين لآخر.

في نهاية هذا المنشور، أحب أن أبشرك، يا من تقرأ كلامي، بأنه، حتى وأنت في المغترب، يمكنك الحفاظ على لغة أبنائك عن طريق ربطهم بثقافتهم، وجعل هذا الأمر مشروع حياة. وهناك عائلات مسلمة أعجمية أعرفها عن قرب، لا يتكلم الوالدان فيها ولا حرفاً عربيا، لكن أبناءهم يفهمون الكلام بالعربية ويتحدثون بها بطريقة جيدة، فقط من خلال الحرص عليهم منذ كانوا في عمر الطفولة المبكرة باشراكهم في أنشطة بالفصحى منذ صغرهم وحلقة القرآن ومتابعتهم والصبر على ذلك.

ختاماً، أتمنى أن تجد كل أمّ مغتربة وأبٍ في كلامي هذا ما ينفعهم ويوجههم.
وهو ليس كلام كتب، بل ما تعلمته خلال 10 سنوات من تربية أبنائي وتعليم العربية لغير الناطقين، صغاراً وكباراً.

بشرى أم عمر

15 غشت 2021 الموافق لـ 6محرم 1443

أفاتار غير معروف

المعلق:

من مولود يولد على الفطرة إلى إنسان ينشأ في أحضانها و يترعرع.. الفطرة لنا حياة و أسلوب .. فلنسر في دربها !

3 آراء على “طرق تعزيز اللغة العربية للأطفال المغتربين

  1. مقال في الصميم يشخص الوضعية التي أعيشها مع إبني لكن إن شاء الله سأطبق نصائحك بالحرف الواحد

    إعجاب

  2. السلام عليكم، مقال موفق،و بارك فيك ام عمر على هذا المجهود الرائع، جعله الله في ميزان حسناتك. و أضيف إليه ملاحظة استنتجتها عن خبرة طويلة مع ابنائي، و انا مازلت أخوض معهم هذه التجربة الرائعة و الصعبة في الوقت ذاته.
    الطفل يتشرب بشكل لا واعي اللغة التي يلعب بها، يعني أن الكلمات التي يخاطب بها أثناء لعبه هي التي تبقى راسخة في ذهنه ، و هي التي يعيد استعمالها في وقت لاحق إذا ما أراد التعبير عن فكرته، لذا نجد الاطفال يتقنون اللغة التي فيما بينهم في المدرسة و لو لم تكن اللغة التي يتعلمونها”في المدارس الفلامنكية الاطفال يلعبون باللغة الفرنسية” . لذا يجب أن تنتبه الام للغة المتداولة بين أبنائها أثناء لعبهم، و تصر على أن يتكلموا فيما بينهم اللغة العربية أو الدارجة.
    شيء آخر هو أن تحرص الام أن تلغي من قاموسها بعض مصطلحات الدارجة و التي أصلها فرنسي أو إسباني، و تعويضها بكلمات عربية فصحى، و ذلك ليسهل على الطفل الانتقال من لغة الام إلى لغة القصة أو الكتاب، و حتى لا تكون هناك هوة بين اللغتين، أعني الكلمات التي تستعملها كل يوم : القلم، المحفظة، الطاولة، الملعقة، السيارة ، الثلاجة، السكين، الالوان، الشاشة، …….
    و بالتوفيق للجميع

    Liked by 1 person

    1. جزاك الله خيرا على هذه الإضافات القيمة وهذه الملاحظات. فعلاً هو ذاك، تأثير المصطلحات الأجنبية في دارجتنا عقبةٌ لا بدّ من مواجهتها في أنفسنا.
      سعدتُ بتعليقك واضافتك الغنية. ❤️

      إعجاب

أضف تعليق