كانت جمعة من شتاء 2013. آثرت حينها أن أقرأ سورة الكهف جهرا بصوت مسموع و بتحقيق, كي يسمعها ولدي ويلتقط الكلمات القرآنية كعادته.و في غمرة انشغاله بلعبه, لم ينتبه إلا لكلمة “ذي القرنين” ..فسألني بحروف بطيئة لكنها متصلة : “مــن هُـــو ذو القرنين ؟”
فوجدتني أبحث في ذاكرتي عن قصة مترابطة لهذه الشخصية القرآنية , غير أنني لم أجد إلا مقاطع مبعثرة .. وكيلا أحبط فضوله و أثبط انتظاره حكيت له عن فكرة بناء السدّ و مساعدة قوم ضعفاء هجم عليهم قوم أشرار .. فراقت له الحكاية و طالب بالمزيد , غير أنني اقترحت عليه أن ينتظر ريثما أقرأ الكثير عن هذا الشخص الطيب المحب للخير, وكذلك كان
عرجت على بعض كتب التفسير مركزة فقط على قصة ذي القرنين , ووجدت أمور عديدة لم أكن أعرفها .. لم يكن في قصة ذي القرنين بناء السدّ فقط لقوم ضعفاء هجم عليهم يأجوج ومأجوج ؛ بل كانت رحلة رجل مؤمن يوحد الله ويعمر الأرض بما استطاع من خير .. فذكر القرآن لنا في سورة الكهف رحلته التي لاقته بثلاثة أقوام : قوم في بلاد مطلع الشمس , و أخرون في مغرب الشمس ثم قوم ما بين السدين الذين عانوا من بطش يأجوج ومأجوج ..
و هكذا ظللنا طيلة الأسبوع قبل نوم الليل و القيلولة نحكي مقطعا ما من قصته , بلغة دارجة عفوية .فلم أكن حينذاك جديرة بمهمة الحكي عن قصة قرآنية تتطلب فهما و بحثا كهذه, إلا أنه لم يكن ثمة حل آخر ..
وجدت ولدي تلقائيا يتحدث بحب كبير و شغف بشخص ذي القرنين : ملك صالح كذي القرنين .. رجل شجاع كذي القرنين … يتغلب على قوم أشرار كذي القرنين .. أنا أساعد الآخرين مثل ذي القرنين … وهكذا إلى ما لا نهاية ..
و أثناء الحكي كنت أقرأ الآية و أشرح له بالقصة .. ومع الترديد و التكرار .. كان يلتقط بعض الكلمات و يحفظها سردا ..
كان حينها في سن الثانية و النصف تقريبا … بحثت في مقاطع الفيديو عن رسوم تلخص القصة , فوجدت حلقات سلسلة : قصص الإنسان في القرآن .. وكان بينها قصة ذي القرنين بأسلوب شائق. تجنبت بعض المقاطع التي قد تشوش الذهن لكن في النهاية أحب القصة و تمثلها في ذهنه وسار يسردها ..
و كلما عرف أننا في يوم جمعة و أنني سأقرأ الكهف أصرّ على تكرار القصة ..
مع الوقت انتبه إلى أن في السورة قصصا أخرى .. كيف أصحاب الكهف ؟ أين ذهبوا ؟ لم أخذوا معهم الكلب ؟….. الخ
فأوتيت فكرة : لم لا أجعل له قصة يوم الجمعة من سورة الكهف , لنظل طيلة الأسبوع نرددها و نتحدث حولها ؟
فجاءت قصة أصحاب الكهف , قصة أصحاب الجنتين , قصة موسى و الخضر (إلى الآن لم أتطرق لقصة الغلام إذ لم أجد كيفية لطرحها )
فصرت أسأله :: بم تبدأ قصة ذي القرنين ؟ فيأتيني جوابه : يسألونك عن ذي القرنين . قل سأتلو عليكم منه ذكرا .
بم تبدأ سورة الكهف ؟ – الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا
وحتى حينما يسمع التلاوة على المسجل , فهو مباشرة يعرف أنها سورة الكهف حينما ينتبه إلى المقاطع التي يعرف ..
ذات مرة :: شووووووت أمي , ستبدأ الآن قصة ذي القرنين ..
ومرة أخرى : ” بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله الذي خلق السموات و الأرض وجعل الظلمات و النور “
-أمي هذه ليست سورة الكهف . لكنها تبدأ بالحمد لله ..
– نعم .. إنها سورة الأنعام
– إذا الكثير من السور في القرآن تبدأ بالحمد لله .. مثل الكهف .. مثل الحمد لله رب العالمين ..
زد على ذلك , فقد نما عنده حب للطبيعة و الخلق و الكون , و شديد ملاحظة و ارتباط بالأرض و الماء و التربة .. حب للاستكشاف و التأمل زاد عن مقداره الفطري ..
فإن الآيات ينساها أياما و يتذكرها بعد تذكير و قراءة , و القصص قد تغيب عنه بعض الأحداث فيفقد خيط السرد , لكن الإحساس الذي تولد لديه , و اللمسة التي تركتها لن تغيب , و صورتها في الخيال لن تتوارى , لأنها نُسجت و غذي بها روحه وجسده .. فالقدوة هناك و الأسوة و طيب الخلق زرعوا في قلبه بذرة تلو بذرة , ستنبت بالسقاية و الرعاية , و لن يغيب الأثر بإذن الله .
و من تلك القصص و الآيات , وتلك المخيلة الغنية الواسعة التي متع الله بها كل طفل , كانت انطلاقتنا في عالم التعلم و القصص .. إذ اكتشفت أنه يتعلم بالقصة ما لا يتعلمه بأسلوب مباشر و تلقين مباشر و أنشطة حرة غير مرتبطة بقصة .. ومثلما حفظ سورة الفيل خلال أيام متتاليات بعد أن علم عن قصة أبرهة و الفيل , كانت مواقف سورة الكهف تحفيزا لنا معا لنكمل التعلم من خلال القصة و الحكاية ..
وتلى ذلك مواقف و أيام وليال , كان لنا فيها تجربة طيبة مع التعلم بالقصة ..
《فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ 》 (176) الأعراف
__________________________________
* لفتة : شاهدنا سلسلة قصص الإنسان في القرءان لكي أقرب له القصة حينذاك، لكنني حاليا لا أحبذ ذلك إذ يجعله يتخيل الشخصية القرآنية مجسدة في ذلك الكرتون بما يحمله من صور مخالفة أو كلمات أو مشاهد و مواقف .. فالأفضل أن يسرح بخياله في شخصيات قرآنية مؤمنة و عظيمة خصوصا في سن صغير كالعامين و النصف. زد عليها أمر مشاهدة الشاشات و الالواح الذكية في سن مبكر.

احسست بشوق لتجربة الامر مع ابنتي بعد قراءتي لقصة عمر و سورة الكهف , بارك الله فيك و في ولديك و جعلهما من الصالحين و اقر عينك بهما , جزاك الله خيرا..
إعجابLiked by 1 person