السلام عليكم.
عساكِ بخير حالٍ.
و ما أحسبُه إلا خيراً، فمن بلغّه الله رمضان، فقد رزقه نعمةّ عظيمة أسأل الله أن يوفقنا لحسنِ اغتنامها.
يصلُكِ هذا البريدُ في اليوم 12 من رمضان، وتأملي كيف كنا قبل أيامٍ نتحدث عن ما قبل رمضان والاستعداد لرمضان. ☺️
بعد العشر الأولى، يظهر لنا كيف أن رسائل القرآن ترتّب لنا القلب والفكر، بل اليوم والعمر.. هي فرصةٌ لنقفَ مع أنفسنا ونعيدَ ترتيبَ أولوياتنا ونجدّد السعيَ إلى غاياتنا بإخلاصٍ ونية.
ورسالتي اليوم كتبتها منذ فترة على فيسبوك، وخا أنذي أشاركها معكِ هنا، لعلّها تخفف عنك بعض الثقل إن كنت من سالكاتِ درب التعليم المنزلي، أو كنت تحملينَ همّ العطاءِ لأبنائكِ بكلّ مشاعرك.
لن أحدّثك عن فتور الأبناء وانطفاء شعلة الحماس للتعلم، فهو أمرٌ معتادٌ دوريّ، من سمات الحياة الطبيعية للتعلم، ولا يضرّهم بإذن الله، إن أُُحسِن توجيهه والتعامل معه، بل دعيني أحدّثك عن فتور الأمّ وذبول أوراق العطاء وغياب الحماس في التوجيه والمواكبة، لأنها فقدت شغفَها أو تمكّن منها التعب وبلغ منها الإعياء مبلغاً، أو تملّكتها مشاغل الدنيا وارتباطاتها حتى ما عادَ لها نفَسٌ لتنظرَ إلى زاوية تعلّم الأبناء..
لو نظرتِ إلى أيامنا المنصرمة، لَلاحظتِ أنّها تتراوح ما بين ضعفٍ وقوةٍ، وحماسٍ وفتورٍ، وإقبالٍ وإدبارٍ. هذه المتضادّات هي واحدة من السنن الكونية الإلهية، فلم تُخلق الدُّنيا لتدوم فيها السعادة، ولا ليعمّ فيها الحزن، فما هي بدارِ خلود.
﴿وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ}
(سورة آل عمران، الآية 140)
فمن البدَهيّ أن تكون نفسيتنا متقلّبة ومشاعرنا متغيّرة، فإنما القلوب بيدِ الله يقلّبها كيف يشاء.
🔸ولكن ما ذنب الأبناء حتّى تضيع أوقاتهم حينما تُصابُ أمّهم المشرفة على تعليمهم بفتور؟ ألا يضيعون؟!
هوّني عليك يا نفسُ، فما وصلنا بعدُ للحديث عن مصير وضياع، إنني أفردُ الجزء المتشابك من الخيوط لكي تُفَكّك ونُحسِنَ نسيجها. فتابعي القراءة.
إن تلكَ الأمّ التي يصيبها فتور عن مواكبة تعليم أبنائها، لا تختلف كثيراً عن المعلمة التي تضعفُ وتخمدُ عزيمتها، فتقدّم للطلّاب القدرَ الذي يُجنّبها حرج السؤال والتقارير، ولا يختلفُ كذلكَ عن حال العامل الذي ألفَ عمله حتى صار رتيباً، فما عادت له فيه رغبةّ تحرّكه إلا ذاك الراتبُ.
هؤلاء لا يلومهم أحدٌ، ويُبرّر لهم الفتور بداعي الواجب والمسؤولية والقيام بما يجب، بل ربّما لا يُلاحَظ أثرُ الفتور على المعلّمة لأنّ إنجازها للمهام الروتينية المعتادة من تصحيح امتحانات وإعطاء الواجبات يُغطّي ذلكَ بِهالةِ الإنجاز المهنيّ وأداء الواجب، وإن لم يتمكّن التلميذُ من التعلّمات، أو لم يأخذ حقّه من الوقت في التدريب والتأسيس.
وبعدُ فإنّ الأهاليَ تُغريهم الدرجة على النتيجة النهائية، وأكوام الكتب التي اشتُرِيَت، وأثر القلمِ الأحمر على الأوراق، فتُرضي تلكَ الصّوَرُ حاجتهم للتحقق من أداء واجبهم الأبويّ على أكمل وجهٍ، وعدم التقصير في أسبابِ توفير تعليمٍ جيّد.
أما عن الأم المعلّمة منزلياً فلا تسل، فلا تُقاسُ أوقاتُ الصّبر على الفهم، ودرجةُ المجاهدة لتوفير جلسةٍ تعليمية دون مُشتّتات، ولا مهارةُ الأبناء التي لا تُقاس بمسطرة التقييم الأكاديمي، ولا المشاعرُ المرتسمةُ من كل درسٍ وجلسة..تكثرُ التعليقات والتدخلات في عالمنا الشرقيّ، حتى ينأى الواحد بأنفه عن شؤون حياته، ليحشرهُ في حياة الناس، ومع ذلكَ، تغفلُ النفسُ عن اعتبار الجهد المهدور في مثل هذه التفاصيل المرهقة.
لا نستنكرُ غيابَ شغفِ الأمّ في أوساط كهاته، بل كلّ الاستغراب من العجز عن صدّ هذه المؤثرات السلبية التي تقمعُ الاختيارات الشخصية، وتتوغلُ في التضييق على شؤون الأقارب بحُجّة النصح والإرشاد، فكيف لا نستطيع رسم الخطوط الحمراء والحواجز الآمنة حول أسرتنا واختياراتنا، وقد كفلها لنا ربنا جلّ وعلا، بحسن الأخلاق وخير الكلام.
قبل أن نتساءل عن أثر هذه الأوساط في غياب الشغف، وجلبِ الفتور، لا ينبغي لنا أن نغفل عن أثرها السيء في تشتيت الثوابت عند الأبناء، وتلويث ما نحاول أن نرسمه جاهدين في نفوسهم، فأياً كانت عزيمة الأمّ وهمّتها، تبقى لهذه الأوساط آثارها المُثبّطة للمسير والعزم. وهذا لا نتفاداه إلا برسم الحدود جيداً، أو بتغيير البيئة قدر المستطاع.
🔶ولمَ عليها أن تسلكَ هذا الدرب مادامت غير متفرغة أو منشغلة البال؟
لو سلكته اختياراً لكان لها في الأمر سعةٌ وفُسحةٌ لتعيد حساباتها، ولكن هناك من سلكته اضطراراً وسدّاً للثغر، وحفظاً الثوابت، فهِي لا لومَ عليها ما دامت واعيةً بفتراتها، ومُدرِكةً لمآلات الطريق ودواعيه.
بل عوضَ اللّوم وتوجيه النّقد لأنه أصابها التعبُ مثلما يصيب البشر بطبعهم، فلنخفّف عنها، ولنهوّن عليها المُصابَ، ولنُذكّرها بطبيعة الرحلة المغمورة بعواطف الأنثى وفصولها الطبيعية. إن فهمَ كلّ أنثى للفترات الفطرية المختلفة التي يمرّ بها جسمها، ووعيَها بنفسها وعياً وجودياً قائماً على فهم الغاية من الخلق والوظائف وأدوارها الطبيعية، كل هذا سيجعلُها تسير بطمأنينةٍ في رحلتها، وستُخطّط لعامِها وشهرِها ويومِها من منطلق تنظيم أنثوي فطريّ، لا تحكمه القوالب الجاهزة المُعدّة للرجال.
وفهمُ من حولَها لهذه الحقيقة يجعلهم يخفّفون عنها العبء ويخفضون سقف التوقعات الأسطورية، ولَعمري إن في ذلك لفوزاً بحالة من الاستقرار الأسريّ الذي يؤتي الثمار الطيبة!
🔸 وكيفَ تستقيمُ لها الأمور إذاً، وهي في حالة ضعفٍ وذبول؟
لكلّ نفسٍ ما يرفعُ همّتها ويوقظُ عزمَها، إن لم يكن بالكلمة الطيّبة والمساندة الفعليّة، فبالتذكير بالأولويات واستحضار الأجور والوقوف على حقيقة واجب الساعة ومُتطلّبات العصر التي ما فتئ أهل الباطل يحيطونها بالشبهات والشهوات، لكي تنصرف عن الثغر الخاوي.
وإن في الرفقة الطيبة لسنداً ومآزرة، وفي متابعة الحسابات المفيدة والصفحات القيّمة لجرعةً من التشجيع ورفع الهمّة.
فإن غابت كلّ هذه الأسباب، فلا سندَ قبل ذلك ولا بعدهُ إلا دعاء الكريم الجليل. وإنَّ من الدعاء سهاماً تصيبُ فلا تُخطئ، وتبلّغ صاحبها غاية المرام وذروة السّنام.
🔸فهلّا أتيت على مفاتيح تُشعل نور الشغف والعزم من جديد ؟
1- الدعاء أولا وآخراً
2- إخلاص النية وتصفية القلب من أدرانه. فلا يبقى للمرء من تعب عمله وسعيه إن كان مخلصاً إلا الأجر الكريم عند ربّ عظيم.
3- الحفاظ على الأوراد: القرآن وأذكار الصباح و المساء.
4- الصلاة على وقتها، فكثير من البركة تفوتُنا ويغيب خيرُها بتضييع أوقات الصلاة وتأخيرها عن أول الوقت، والله المستعان.
5- حضور القلب في تكبيرة الاحرام وفي الفاتحة، فلا تقوم الصّلاة بدونهما.
6- السعيُ لإيجاد رفقة صالحة طيبة
7- إلزام النفس بأقل القليل، ممّا لا يقوم يومُ الأبناء وشأنهم بدونه.
8- التماس المساعدة وتفويض بعض المهام التعليمية إن تيسّر.
9- الرضا والتقبّل، فهي حالةٌ عابرةٌ، وفترةٌ طبيعية تمرّ بها النفسُ، فدواؤها المُجاهدة والصّبر والمُصابرة.
10- الإخلاص والدعاء مجدّداً
🔸 لقد اطمأن قلبي بأن الفتور أمر طبيعي ولا يستحقّ كلّ هذا الجلد، فهل من همسةٍ أخيرة؟
اطمئني، الفتور وغياب الشغف فترة عابرةٌ تمرُّ بها جلّ أسر التعليم المنزلي، إن لم نقل كلّها. والخوفُ من البوح بهذه المشاعر يُخشى أن يُفهم تكاسلاً أو تقصيراً من الأمّ، أو إهمالاً لدورها، أو فضلاً في الاختيار، فتنغمسُ حالة الفتور في مشاعر اللوم والجلد والخوف من الاتهام. وهذا حالٌ لا ينفكّ عن صاحبته حتى يورثها القهرَ والقلق والشعور بالدونيّة، خاصةً مع ما تراه من صور الكمالِ وسيناريوهات الحياة السعيدة على السوشيال ميديا، واستراتيجيات التسويق “التزويق” لتعلّم ممتع وتربية إيجابية، فتنزوي في زاويتها تُعاني بصمتٍ، ولا يُفهمُ انكفاؤها على نفسها..
إذا أتخمتك صور “التزويق التربوي” في عصرنا، فسارعي إلى استحضار صور بقايا ذاكرتك قبل موجة الانفتاح العالمي على بيوت الناس :
جلسات دافئة وأحاديث بسيطة، نشرة الأخبار التي تجمع الأسر، نسوة تطبخ وتنظّف وتصلي صلاتها وتُسبّح وتذكر الله، تستيقظ في البكور وتنجز أمورها فتتفرغ لها العصرونية، بساطة الحياة والأنشطة..
إن كانت صور الذاكرة ستُخفّف عنك تعب الركض وراء إغراءات مواقع التواصل، فاستحضريها من حين لآخر، فقط لتبُثّ فيك الأمل.
أيتها الفاضلة، لسنا في المدينة الفاضلة، ولسنا نخشى النّاس، أيّاً كان مقامُهم عندنا، بل نعبدُ الله ونرجو أن نحقّق تمام العبودية والانصياع لأمره.
فتذكري أنّ ما يصيبُك هو قدر من الله، وما يُعجزك ويُتعبك هو هيّن على ربّ العالمين، إذا أراد أن يقول كُن فيكون..
فهوّني عليك واقصدي باب الرحيم، وبُثّي همّك وشكواكِ، فما اخترتِ طريقكِ هذا ليقال: فلانةٌ تفعل كذا وكذا ، ولكن لتربّي أبناءك على الفطرة.
فتذكّري غايتكِ، واسعي لها سعيَها، فحفظ الفطرة السليمة يستحق منّا المجاهدة.
دمت قويّة بإيمانك، غالباً في همّتكِ، عزيزةً في نفسكِ.
بشرى أم عمر
عَلى الفِطْرَة
آثار نقتفيها، ومنهجُ حياةٍ.
********
شكراً لكل من تترك لي تعليقاً ولو خفيفاً فأتأكد بأن هناك من أكمل القراءة إلى النهاية. دمتم بخير.

