نشرت تحت تصنيف مدادُ القلم

حديث ٌومَغْزل.”البتول”


——-
“الذكرياتُ تطاردنا.. كالظلِّ هي، لا تفارقنا وإن فررنا منها..
تُصاحبنا في السراء والضراء ، وفي الحرب والسلم.
تفتح صفحاتها على حين غرَّة لتكشف لنا صوراً نسيناها وأسراراً لم ندركها آنذاك.

صندوق الذكريات مليء بالأسرار والحكايا والدروس..
ونسيجها مترابط متوارث ، كقطعة السجاد الفارسي ، تتوارث جيلا بعد جيل ” ..

هي حكايات متفرقة تبقى عالقة بجدران الذاكرة، رموزها شخصيات رأيناها أو عشنا معها، وكثيرٌ منها مضى إلى ربّه ولم يبق إلا أثره..

طيف ذكرى عابرة!!



                    🔻❤️🔻❤️🔻❤️🔻❤️🔻❤️

-”  آجي ألْباتولْ، شُوفا ماكَتسْمَـعْـشي الْكْـلام!”

جملةٌ كهذه ، تجعلُ الطفلة تبحث عن أقرب مفرٍّ أو لجوءٍ ،فقدُوم البتول بنظرتها الحادة وحركتها المعلومة يوحي بِأمرٍ مُريب. تضع يديها على ذقنها بمعنى :” أنا مَاجْية ، بلاّتي عليك ”

لم تكن البتول تضرب ولا تصرخ، لكن نظرتها  لوحدها كفيلةٌ بأن تجعل الامعاء تتلوى من الخوف!

لا أدري لماذا كنا نخاف منها؟!
لقد كانت قصيرة القامة وغير بدينة ، كما يُصَوَّر  في الرسوم المتحركة. كنا نتصورها أحيانا كإحدى الشخصيات التي خرجت من بيل وسيباستيان فنُحاول أن نجد لها مكاناً في السيناريو والحلقات.

المناسبات وحفلات العائلة لا تكتمل إلا بنجم البتول. حضورها كان يوحي لنا بوقت مميز تنطلق فيه الزغاريد والصلاة والسلام ورائحة اللحم والقليّة.

كنا نراها قادمة من رأس الدرب، ونحن جلوس أمام باب الدار. تحمل حقيبتها الصغيرة وتمشي بخطوات متسارعة متباطئة.. إنها مشية البتول. نسلم عليها بحذر، فهي تمسك كلتا الوجنتين وتقبلهما بقوة ” تْوحشتك أَلْغزالة.. كبْرتي”.

لا يختفي أثر القبلة إلاّ بعد حين..
وما يلبث أن يبدأ جو البهجة والنشاط عند النساء بُعيد دخولها؛ أحاديث ومزاح ، وعمل دؤوب.
تنزع جلابتها بمجرد قدومها ، ” ماجيتشي نجْلْسْ. يلاه بسم الله”
وتلف “سبنية الحياتي “، بل تشدّها بقوة إعلانا عن بداية فقرة “الحداكة عند لالة مولاتي. “

يوم صنع “الفْقاقْص” لا يكتمل إلا بحضورها ، تعجنُ النسوةُ باليد..  ورائحة ماء الورد وحبة حلاوة تُعطّر المكان،  ( لا أدري هل كُنّ يضعن النافع أم لا ،فما زلتُ لا أميز بينهما إلا بعد جهد وشم ّ مطوٌل) .

تصيح بنا : ” بَعّدو مّْن هنا.. عنداك تطيّْحونّا  الشعر فالعجين”

نبتعد أنا وخالتي الصغرى هناء عن مسرح الأحداث، فنشد يد بعضنا البعض، ونغادر المكان باحثتين عن متنفس.

وقت عجين الفقاقص يكون قبل الظهر، ثم يأخذ الرجال العُجنة إلى الماكينة، في وعاء كبير (البَانْيو).
في تلك الأثناء تحاول النسوة إكمال تحضيرات الغذاء.


بعد العودة ,، تُصنَع من العجين أقراص، تُوضع على أفرشة وإزارات ناصعة البياض في فراش الصالة ، وعين البتول تحرس كيلا يدخل أحد فتُسَول له نفسه الجلوس عليها 😊

تخمر اقراص العجين وقتا، لتؤخذ إلى الفرن.و هناك يكتمل المسلسل في فرن أبي.. اراقبه وهو يدخل الفقاقص إلى بيت النار. وأسمع أحاديث الرجال ،فأقتنص منها ما يمكنه ان يكون خبراً طريا طازجا..
تعلمت مع الأيّام أن هذه الاخبار الطازجة قد تكون سببا في “سَلْخةٍ” مرتبة و”تقرفيصة” صامتة قاتلة.. لذلك صرت أخبرُ بها خالتي حكيمة كي أتحرى هل يمكن البوح بها أم أن الكتمان خير!

حكيمةُ هي خالتي، لكنها  في مقام اختي الكبرى،وأعترف أنها كانت حكيمة وسابقة لسنّها. كانت تجيبني عن الأسئلة التي أتحرج ان أسألها أمي، وكانت تحكي لي قصصا حقيقية من الارشيف وذاكرة “باريو مالاقا” وتطوان ، مما سمعته من جدتها وخالاتها ونسوة العائلة. وهي التي أخبرني عن شخصية البتول وعلمتني كيف أتعامل معها.

جدتي كانت سيدة حازمة صارمة حاذقة حكيمة متزنة. لها هيبة ووقار،لكنني كنت أحس ان قدوم البتول يكسر سلطة جدتي فتبدو أظرف وألطف. اما إن قدمت “الطيّابة فاطْنة”,  فجذتي والبتول تصيران في نظري كالحمل الوديع.. هنا أدركت تغير المقامات وطبيعة العلاقات في عالم النسوة.

كان عمري آنذاك بين الخامسة والسابعة. وبعدما أكملت ثمان سنوات ،اختفت البتول عن بيتنا وعائلتنا. سمعت أنها تزوجت بعدما توفي زوجها وغادرت المدينة. انقطعت عنا أخبارها. لكنني لم أكترث كثيراً ، فقد ارتحت من ألم التقرفيص المفاجئ وعضّ الشفتين إن ارتكبت خطأً. خطئي كان غالباً زلة اللسان..😁

لكن البتول لا تعلم أنّها علمتني درسا لا أنساه لها ما حييت، وأدعو لها بالرحمة سواء كانت حية أو ميتة. لقد تعلمت منها أن أفكر قبل الكلام وأن أقلل من الثرثرة.. لكنني أخرج عن الدرس الذي علمتنيه حينما أكتب. لم تقل لي لا تكتبي كثيراً كيلا يزِل قلمك !

تغيرت أفراحنا بعد البتول، لم نكن نشغل المسجّل في وجودها ، فقد كانت النسوة تدندن بما تعرفه ، وجدّة أمي “فاطْمة” تزين المجلس بصوتها الجهور وذكْرها. لم تكن أنغاما متناسقة لكنها كانت أهازيج الفرح.. وحتى في وقت حفلِ السابع (العقيقة)، كان صوت المسجل منخفضا بصوت الموشحات الأندلسية.. صوتٌ منخفضٌ فقط،  فجذتي رحمها الله لم تكن تحب الأصوات الصاخبة وتكدير الأحاديث بالموسيقى.. كانت سيدة تطوانية أصيلة بقسمات موريسكية وذكاء حاد.



تغيرت أفراحنا يا بتولُ ،تغيرت بعدما غبتِ وغابت “الطيابة فاطنة” عن المجامع ،وبعدما توفيت جدتي رحمها الله.!

أدركت أن السر كان مع جدتي،فقد كانت- رحمها الله – مثل الزهرة،  تجذب برحيقها كل طيِّب.. تُوفيت وكلما جاءت جارةٌ تعزي فيها، كانت تبكي وتقول:


“شاركْنا المْلَح والطّعام ، وكانت كتوقف معايا وتكتم سري..”

وكانت بالفعل كذلك، تعطي من اجود ما عندها وتكرم زائرها. لكننا لا ندرك قيمة الاعزاء حتى نفقدهم.

تدفقت هذه الذكريات مع صور التهجير والدماء وغصن الزيتون الفلسطيني ونظرة النسوة.. رأيت فيهن جدتي وصاحباتها..
ذكررنني بالزمن الجميل وبصوت الذكريات وقوة الذاكرة وجميل التراث.

انا ممتنة لأمي التي كانت تصحبني الى تلك المجالس وجعلتني أعيش تلك الطفولة التي صارت كقطعة أنتيكا في متحف.❤️. الفرق أنها ذكريات لا تُدرك باللمس، بل تُستشعر وتَحيا حين تَجِدُّ في القلب لوعة الذكرى.

انا ممتنة لأمي وجدتي وخالاتي وللبتول.. تلك المرأة النادرة التي لم أنس صوتها ولا حركاتها !

بشرى أم عمر.

أفاتار غير معروف

المعلق:

من مولود يولد على الفطرة إلى إنسان ينشأ في أحضانها و يترعرع.. الفطرة لنا حياة و أسلوب .. فلنسر في دربها !

أضف تعليق