تُرى أثَمَّة حياةٌ كامنةً في هذه المدينةِ البئيسة؟
لم أكن لأجيب بنعم حينما وطئت قدماي مطار تلك المدينة الرمادية، في تلك الليلة الباردة من شهر أكتوبر، فكل ما فيها كان يوحي بتوقف عجلة الزمن عن الدوران في محيطي.
أتيتها وقد خرجت للتوّ من شرنقة الدراسة والتفرغ للتعلم، كنت بعيدةً عن عالم النسوة وهمومهنّ بُعد المشرقين، قريبةً من دنيا الأفكار والورق قريباً شديدا..
طالبةٌ تلقفتها رياح الخريف، وبرودة مساءاته، ولمة النسوة المغربيات المغتربات في حي سكاربيك، وكأنك في باريو مالقا بالضبط.
لم أتصور لوهلةٍ أن تكون فوق هذه الأرض حياةٌ و ذكريات، ولا أن تُرسم فيها الأحلام وتتحقق، لكن الأماكن تحكي قصتها بعد مرور الوقت، وبعد الإلف والاعتياد!
بروكسيل مدينة الذكريات..
اعتدت وانا في المهجر، أن أتذكر أيام الصبا والشباب، ومنظر الغروب في سماء تطوان،حيث تتألق أضواء المدينة، ونفحات الإيمان في شهر الخير,، و حلاوة مجالس أسرتنا البسيطة في سطح بيتنا. وهكذا حال كل مهاجر، دوماً حديثه عن موطنه، وحنينه إليه دائم لا ينقطع، حنين لأهله ولطعامه ومائه وجوّه.
بيد أنني لم أكن أتخيل لوهلةٍ أنه سيأتي علىّ يوم أحنّ فيه لأيامي بالمغترَب، للحظات جميلة ووجوه طيبة.لم أكن أظن يوما ان أحلامي ستكون هناك على أرضه و ان أجد به أرواحا متآلفة ونفوسا طيبة، بل لم أكن أظن يوما أنني سأحن إلى ذكريات جميلةمتعلقة بالغروب والشروق، والخضرة وطعم القهوة، وحديث دافئ مع صحبة طيبة.
ولا أنسى مشاكسات الصغار ودعابتهم وهم ينادوني : معلمة.

أحن للبيت الأصفر الصغير،الذي عشت فيه أياما جميلة ولحظات حلوة.. مرت على فيه اوقات صعبة ولحظات حزينة، لكنني لن أنسى جلسات الشتاء الدافئة و أوقاتا ملؤها السعادة والأمل.
ولن أنسى الكتب التي قرأتها وأنا اهدهد صغيري ناظرةً عبر النافذة إلى الثلج المتساقط أو لقطرات المطر.
لن تغيب عني تلك الكلمات التي سطرتها في مذكرتي آخر كل نهار، تارة لافرغ شحنات الغضب، وتارة لأحلق مع طيور الفرح والامتنان، ولا تلك الإطلالة البهيجة الصغيرة على حدائق الجيران ورحابة الأفق. .
بيت جميل مضيء، وفيه أضاء ركن الأم بداخلي للمرتين الثالثة والرابعة.
رسمنا هناك في المغترب شخبطات لمستقبل أحلامنا،
وكم كان وقتاً طيباً ذاك الذي قضيناه في بيتنا بشارع جيمس واط .
حقا، لكل إنسان تجربته المتفردة وعالمه الخاص..
زهرة العمر في روض البيان.
حينما أتحدث عن البيان، فتقاسيم وجهي تحكي الكثير والكثير مما تعجز عن وصفه الكلمات.
دعني أحدثك عن التضحية والتفاني متجسداً في طاقم التعليم والإشراف والوالدين. لا أدري هل أحكي عن الصباحات الشتوية الدافئة ببسمات الأطفال، وتحايا الزميلات، أم عن بركات البدء بآيات القرآن، أم حلاوة الحديث المقتطع في الممرات والمرافق؟!
لا أدري هل أحكي لك عن التعب المغلف بفيض من حب، وباقةٍ من العطاء، أم التفاني في العمل رغم كل إكراه وصعوبة؟

لست أدري حقاً بأيها أبدأ، فالشوق إلى تلك الأيام بحلاوة تعبها، وسهر التعلم والدراسة ليكون العطاء أفضل أنساني بقية الاستدلال المنطقي الذي أسعى للحفاظ عليه في كتاباتي. بيد أنني لو سئلت عن أجمل أيامي بالمهجر فستكون تلك الأيام بلا شك، ولو سئلت عن خير صحبة عرفتها فستكون تلك.
هل أبدأ بهدى وحياة، أم فريدة وأمينة وأمل؟ هل أنسى أسماء و سناء و فتيحة والمريمات؟ بل كيف أنسى إكرام ومليكة وبشرى وراضية وإيمان وإنصاف وآمنة وإيناس؟ أخشى أن أغفل عن ذكر اسم من الأسماء اللامعة.. ويكفيني فخراً أن لساني لم يكن ينطق في أغلب الأوقات الا بالعربية، مجتهداً لحسن التعبير والافصاح ببيان.

عودة بعد رحيل.
هذه المدينة الرمادية التي عرفتها قبل 13 عاماً، الكئيبة بطقسها ررتابة الحياة فيها، الدافئة بيوتها بفرشها وبلاطها ومدفئتها ، ليس هي المدينة التي جئت أزورها الآن بعدما استقررت بالوطن..
وكأنما لفظتني بعدما لفظتها!
وكأنها تتنكر لي ،كما تنكرتُ لها ولجميل الأيام التي عشتها هنا بها!
يبدو كل شيء فيها باهتا متبلداً، حتى وجوه الناس ووتيرة الحياة، كأنما نساق فيها إلى الروتين سوقاً!
وحتى من يريد أن يخرج عن السرب ويبتكر نمطه ووتيزته الخاصة، يصدم بكم التحديات والاكراهات التي ترغمه على العودة إلى الأصل، والسير خلف الموجة.
ودعت الوجوه التي جمعتنا أيام طيبة وعشرة خيّرة، تَفارقنا بعدما جمعتنا لحظات وهموم ومشاعر مشتركة..
تبقى الذكريات ويمضي كل إلى حال سبيله..
فهكذا هي الدنيا، سير إلى الله، وما تدري أيهم سيشاركك هذا السير؟!
حزمنا حقائبنا مجددا للعودة إلى الوطن، فما ندري ما ينتظرنا هناك.
وبين التأهب والعودة مشاعر مختلطة تغمرنا : حنين للماضي الجميل ونفور من الحاضر البارد الباهت..
لقد جربت الغربة والعودة إلى الوطن فوجدت أن الإنسان دائما في حنين لماضيه المقترن بذكريات و بمشاعر جميلة.
هذا فصل من فصول رحلة العودة، فصل الحنين والشوق. لكنها رسالةٌ بأن كل الدنيا إلى زوال، وأننا مهما عشنا فلا بدّ من يوم ينقضي فيه الأجل. ( كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام).
فهرسة سلسلة “رحلة المهاجرة”

- من الاغتراب إلى الاقتراب
- أين معالمنا؟
- بحر التعليم المنزلي
- فيض الذكريات
اقتباس
أنا أنتمي إلى عشيرة ترتحل منذ الأزل في صحراء بحجم الكون. مواطننا نفارقها متى جف الينبوع، وبيوتنا خيام من حجارة، وجنسياتنا مسألة تواريخ أو سفن، كل ما يصل بيننا، وراء الأجيال، ووراء البحار، ووراء بابل اللغات، رنين اسم.. “.بدايات ، أمين معلوف

رأي واحد على “رحلة المهاجرة 4/ فيض الذكريات”