لقد كتبت هذه المقالة منذ سنوات كي تنشر في العدد الثاني من مجلة “مغربية حرة”. لكن لم يكتب لها ذلك لتوقف مشروع المجلة. وترددت في نشرها على مدونتي هاته لأنني حسبت ذاك الكلام معلوماً مكرراً. ثم ارتأيت أن أنشرها بعدما تبين لي أنه خطاب لم يفقد معناه بعد، وإن فيه ما يفيد الأمهات اللواتي بدأن المسيرة ويحتجن لتوجيه ونصح، وكذلك الآباء. فتوكلت على الله ونشرتها بصيغتها الأولى دون تغيير في الأسلوب ولا في المحتوى. لذلك سيبدو الخطاب وعظيا مندفعاً ومتحمساً، بخلاف كتاباتي الحالية، والتي يطبعها مخاطبة الذات قبل الغير. وماهي إلا تحولات الأمومة وانطباعها في الشخصية. أتمنى لك قراءة ممتعة ومفيدة.
أتخيلكِ الآن و أنت في أول زواجك , تحلمين بأطفال تأنسين بهم و تلاعبينهم , و ترينهم أهل برّ وصلاحٍ حين كِبَرِهم ,بل أتصوركِ تلاعبين رضعيكِ بين يديك و تبتسمين في وجهه و تقولين : ” ربِّ اجْعَلْها ذرية صالحة طيبةً تُوحدُكَ و تعبدكَ و تخدمُ الأمّة !”
وَما أحسبكِ ترينَهُ مُراداً سهْل المَنالِ يسيرَ البلوغِ !
فأنتِ تعلمينَ أنّ صاحب الأَرْضِ يتعهَّدُها بالحرثِ و الزّرعِ و السِّقايةِ لتُخرجَ لهُ بعدَ طولِ انتظارٍ وَصبرٍ نبْتَةً حسنة وَ ثمراً جنِيّا , فكيْفَ بالوالدِ معَ ولدهِ و هُوَ إنْ كبُرَ كانَ ثمرةَ سنينَ و صبرَ أعوام .
فَدربُكِ ليسَ هضبَةَ سهلَةَ الارتقاء, و إنّما أنتِ تسيرينَ في طريقٍ وعْرٍ يتخلله جبالٌ و أَشواكٌ و مُنْعرجات. فزادُكِ فيهِ طولُ صبرٍ و أناةٌ و حكمةٌ .وَليْسَ ثمةَ هديّة تُقدّمينها لوَلَدك أثْمنَ من تربيةٍ حسنةٍ و تَعليمٍ راقٍ ,فهُوَ بابُ خيرٍ يبْقى لكِ مَفتوحاً بعد مماتِكِ ,فهلْ سيكونُ بابُكِ متيناً فيدومَ طويلاً, أمْ أنّك سَتَقْنَعينَ بالبابِ الهشّ المُتآكلِ فَسُرعانَ ما يفنى و يفنى معهُ ذِكركِ ؟!
ما أظنّ أنّ ذاتَ عقلٍ و رزانة أكرمها الله بولدٍ ستُهملُ الأمرَ و تذرُ العِقدَ ينفرطُ من بينِ يديْها , فتعالي نبني سويّة أساساً متيناً لجيل النصرِ و التّمكين .
التعلم أول الخطوات .
البداية من نفسكِ
و إن سألتِ عن البدايةِ , فما هي تكونُ إلا من نفسكِ , كيف لا و العليم الحكيم يقول في مُحكمِ كتابه : ” إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ (الرعد:11)” . ابدإي أوّلا من نفسك : فأدّبيها و علّميها و هذّبيها و ارتقي بها في مدارك الطلب و مدارج العلوم.. فإنما التربية بالقدوة أولا :
يـا أيُّها الرَّجُـلُ المُعَلـِّمُ غَيْرَهُ + هـَلاّ لِنَفْسِـكَ كانَ ذا التعليمُ
تصِفُ الدَّواءَ لِذي السِّقامِ وَذِي الضَّنَى + كيْما يَصِحُّ بهِ وأنتَ سَقيـمُ
وَنـَراكَ تُصْلِحُ بالرَّشادِ عُقـولَنا + أبَداً وَأنتَ مِنَ الرَّشـادِ عَديمُ
فَابْـدَأ بنـَفسِكَ فانهَها عنْ غَيِّها + فإذا انتهَتْ عَنهُ فَأنتَ حَكيـمُ
فهُناكَ يُقبَـلُ ما تقولُ ويُهْتـَدَى + بالقـولِ مِنكَ وَيَنْفَعُ التـَّعليمُ
لا تـَنْهَ عَنْ خُلـُقٍ وَ تأتي مِثلـَهُ + عارٌ عَليْـكَ إذا فَعَلتَ عَظيمُ (ابو الأسود الدؤلي)
و لا تكوننّ حجتُك في التّخلّف عن الركبِ ضعف المستوى التعليمي أو العوز الى شهادة , فنجاحك في وظيفتك هذه لا يقاسُ بمستواكِ الدّراسي أو شهاداتك العليا بقدرِ ما تؤسس له عقيدة راسخة و حكمة وصبرٌ. فلو تأملتِ الأمهات اللواتي خرّجن جيلاً من العلماء و النبغاء , لم نكن أغلبهن متعلماتٍ , و إنما تحلينَ بحسن خلق و حملن بين أضلعهنّ عقيدة راسخة و إيمانا فذّا ,افتقدتهما أغلب حاملات الشهادات في أيامنا للأسف,فصِرْن بذلك قدوةً لأبنائهنّ , فكان منهنّ التعلم و التأسّي. فَتِلْك أمّ البُخاري لم تغفُ ليلةً عن القيامِ بينَ يديْ مولاها تتضرع إليه و تبُثُّه شكواها بعدما فقدَ ابنُها “مُحمد ” نعمة البصر , فاستجاب الله دعاءها و ردّ إليه بصره و أنعم عليه ببَصيرةٍ القلبِ و صلاحِ النفسِ فجدّ في الطلب و الرحلة في طلب العلم حتى وصلَنا خيرُ كتابٍ بعد كتاب الله عزّ وجلّ ” صحيح البخاري” , وما نحسبُ ذلك إلا بتوفيق اللهِ و بركةِ دعاء الأمّ و حسن تربيتها لابنها .
وَ ما غابَ عنْك ذِكرُ ” أمّ محمد الفاتحِ ” حينما كانت ترسّخُ فيه منذُ الصغرِ حُبّ تحقيق بشارة النبيّ صلى الله عليه وسلم بفتح القسطنطينية . فكانت مثال الأمّ التي تُعلّم ابنها معنى الإيمان باللهِ و رسولهِ. ولو قلبنا في صفحات التاريخ لأذهلتنا آثار العقيدة السليمة في حسن التربية , ويكفينا ذكر الوالد (الصالح في سورة الكهف : ” وكان أبوهما صالحاً “ .. فكان حفظ الأبناء والاحفاد * بعده بسبب صلاحه في الدنيا , لذلكَ كانت سلامة عقيدتكِ من كلّ شائبة شرك أو شبهةٍ حجر أساسٍ في بناءِ أبنائكِ.فلا تذري الأساس هشا هيّنا و إنما قوّيه بالتعلم و البحث , وسلاحك في ذلك التوكل على الباري و دعاؤه دعاء المتبتل المضطر .
*وذكر أنهما حفظا بصلاح أبيهما ، ولم يذكر منهما صلاح ، وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء ، وكان نساجا . قال سعيد بن جبير عن ابن عباس : حفظا بصلاح أبيهما ، ولم يذكر لهما صلاح ، وتقدم أنه كان الأب السابع <تفسير ابن كثير >
إبحارٌ في عالم الطفل و مميزاته ؛
وبعد التحلي بعقيدة سليمة خالصة من كل شبهة، يأتي التعرف على عالم الأطفال و عقلهم, ليس بالتخصص في المجال أو الانشغال بالأبحاث المطولة , و إنما بقراءة مثمرة منتقاة في مجال التربية و النفس , فكيف ستربين ابنا سويا واعيا مبدعا ملهما دون أن تتعرفي على خصائصه و تتبعي تصرفاته و تراقبي حركته منذ صغره , كي توفري له البيئة الآمنة السليمة التي تصلح لتربية نشء صالح ؟ !
و الكتب في هذا المجال لا عد لها ولا حصر , وكذا الدروس الصوتية و المرئية و الدورات التدريبية بشتى اللغات ,فانتقي الأنسب و الأسلم , و اقرئي باستمرار و اطلعي فهذه هي المهمّة التي صارت الآن ملقاةً على عاتقك , وماهي بالسهلة البتةَ !
صبر و حلمٌ ورفق .
مما لاَ شكّ فيه ,أن دورَ الأمّ يحتاج إلى طولِ صبرٍ و سعةِ صدرٍ , فليسَتِ التربيةُ دفتر تعليماتٍ نَقرأ ما بهِ فنُنفّذه و يعمل بعدها الجهازُ , لكنّها ممارسة و تجاربٌ تليها أخرى , و مواقف و صعوباتٌ لا يكون الثباتُ أمامها ممنوحاً على طبقٍ من ذهب .بل فيها مجاهدة و مصابرة , و دُربة وضبط نفس , و إحكام مشاعر الغضب و الغيظ , فاجعلي شعارك فيها : “و الكاظمين الغيظ” 134 ال عمران و “ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه” . {وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى: 37]
ولعلي أحس بأنين نفسكِ من الصراخ و الصياح و الوعيد و التعب المتواصل من مهمة لا تنتهي !
لكن , أَوَمَا تتذكرين أيام الطفولة حينما كان صراخ أحدهم في وجهكِ يقذف بين جنبيك إحساسا بالمهانة و النبذ , و كأنما وُلدتِ لتبقي منعزلةً لا من يحنّ عليك و لا من يرفق بك ؟ أما بادرك هذا الشعور بعد كل جلسة ضرب و تعنيف قد يكون السبب من وراءها تافها لا قيمة له ؟
هل تلاحظين أنّ جيلنا الذي تربى على الضرب ,أيا كان السبب, كأسلوب تربية وتهذيب يساوره خوفٌ من التقدم و من أن يخطو بضع خطوات نحو التغيير العميق ؟
بل و جيل آبائنا و أجدادنا لأشد , لأن تلك الصرامة التي ماكانت في الحقيقة إلا قسوة وغلظة خلّفت وراءها أشخاصا يخشون التعبير عن الرأي و يخافون من الكلمة التي قد تجلب سخطَ الغير و إن كانت هي الحقّ ..
فهل تصرين على المرور من ذات الطريق مع أبنائك و تنسخي منكِ صوراً متكررة قد يتقاذفها موج العصر الحالي فتهوي بها في أعماق الظلمات ؟
كلا , وما أحسبكِ تتعبين كل هذا التعب لتريْ انعكاسكِ في مرآة التاريخ , فكلّ أمّ تتوق أن ترى أبناءها من أهل الخير و المعالي .. ولعلي أحس بأنين نفسكِ من الصراخ و الصياح و الوعيد و التعب المتواصل من مهمة لا تنتهي ! من هنا تكون الانطلاقة , فاصبري على تعبك و تحلي بالحلم و الرّفق مع حزمٍ و حكمة كي لا ينفرط العقد من بين يديكِ بتاتا .
يومكِ هو عمركِ ..
إنّ ذلك اليوم الذي تنقضي جل ساعاته في البيت بأعماله و ترتيباته اللامنتهية , أو في العملِ خارج البيت لمن لها وظيفة خارجه , أو الدراسة , فلأولادنا حقٌ فيه أيضا , ليس بالفتاتِ و البقيّة المشوبة بتعب و ارتخاء , بل بجرعة من الوقت , تحيطينهم فيه بالحنان و الود , و تحضنينهم بعناق من مودة و حبّ ,, تلاعبينهم فينشطون , و تمازحينهم فيبتهجون , و تقرئين لهم فيتابعون بشغف , و تتجولين بهم في أركان البيت أو خارجه فيستنشقون نسمات الأمان قبل الهواء .. ذاك ما ينتظرونه منك و تلك هي وظيفة الأمّ حقّا .
ليست التربية كما يختزلونها في مراحل من العناية و التنظيف و الإطعام , فلرُبّ خادمة حاذقة تقوم بها في وقت وجيز , بل إنّ المغزى كله في أن تفعلي ذلكَ- أنتِ أمُّهم – بكل حنانٍ و عطاء , من غير ما تذمّر و لا توتر .
فسلعتُك عمرك و زادكِ عملكِ الصالح , فلم لا نتخذ تلك الأفعال اليوميّة الرتيبة قُربةً إلى ربنا فنحيطها بالإخلاص و الاحتساب و الرضا بكل ما يرافقها من تعب , فإنما الجنة سلعة غالية , لا يغلوها شيء وليكن النظام في يومنا أساسا لا حياد عنه , مراعين في ذلك
” إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه “.
رواه البخاري (1867) من حديث أبي جحيفة – وهب ابن عبد الله السوائي ( رضي الله عنه)
, حيث هنا المعادلة المتوازنة و القاعدة المنضبطة المحكمة . فحق الله , و حق النفس , و حق الأهل .
فيا سعدَ من قدَر على تحقيق ذلك !
التعليم المدرسي ..
و هنا نأتي على الجرح العميق , فإن كنت تمضين سنوات في تهذيب الولد و العناية به و تحليته بالخلق الحسن و السلوك الطيب , فسيجيء ذلك اليوم الذي تزُجّين بهِ فيه وراء جدران لا تعلمين ما هو فاعل فيها و لا ما هو مفعول به .و رزقه الطيب سيسوقه عند من يتقي فيه الله و لا يظلمه , وقد يكون نصيبه حجرة درس يتلقى فيها فنون الاستهزاء و السب و الظلم .ولن ننتظر حتى تعدّل المنظومة التربوية و يقوّم الاعوجاج بالمؤسسة و يمحى الفساد التعليمي فذاك أوسع من أن تكفيه بضعة سطور .ولنتكلم عمّا يمكن لكل واحد أن يفعله في نطاق مسؤوليته .
إن أول ما ينبغي فعله لكل من له ابن قد شارف على ولوج المؤسسة التعليمية النظامية سواء كانت روضة أو مدرسة ابتدائية . أن ينتقي بحكمة و دقة تلك المؤسسة و مدرسيها .فخيرٌ أن تولِجيه في مدرسة ذات سمعة طيبة لكنها لا ترقى إلى سقف تطلعاتك العلمية , من أن تستجيبي للمطلب العلمي الثقافي على حساب بناء شخصية الفرد و أخلاقه
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا” (أحمد شوقي)
أما من جهة المستوى العلمي الثقافي فتلك مسألة مهارات و معارف قد يستطيع الوالدان متابعتها في البيت أو احضار مدرس يسدّ الناقص منها .
هذا لأن الطفل في عمر أقل من 12 سنة لا زال يبحث عن قدوته و يحذو حذو من هم حوله ,فكيف سترغمه على ألا يرى في مدرسه سيء الخلق شخصية قوية متميزة , أو ألا يسلك سبيل السباب و الفحش في القول أسلوبا وقد رأى من مديره تلك السلطة الجائرة ؟!! إننا قبل كل شيء نبحث عن قدوة صالحة لا تفسد بناء الشخصية لأطفالنا أو تبعدهم عن مرجعهم الديني , وبعد ذلك نبحث عن المستوى الذي يرتقي إلى تطلعات سوق العمل , لأنها النتيجة الحتمية لتعليمي نظامي ينسخ أنماطا تستجيب لآلته و تعمل وفقها ..و هو مبحث طويل شائك ينبغي فيه إعادة النظر في رؤيتنا للعملية التعليمية ككلّ ..
أما إن لم نجد النظام التعليمي الذي يوفّر لأطفالنا بيئة آمنة فهل هنالك خير من أن نعدَّها نحن بأيدينا ؟!!
لم لا ؟ و حركات التعليم المرن قد نشطت بشكل كبير حاليا خصوصا في العالم العربي ,بعد أن كانت مقتصرة بشكل أوسع على العالم الغربي , بأساليب متعددة و أنماط دراسية متنوعة تستجيب لمتطلبات الوالدين و احتياجات الطفل و اهتماماته .
و أفضل ما فيه أن التركيز يتم على ما ينفع الطفل و يعود عليه بالفائدة في دنياه و آخرته , فلن يستثقل مادة الرياضيات و يعتبرها عقدة حياته , ولن ترهقه المعلومات الجافة الباهتة في النشاط العلمي و الجغرافيا ,ولن ينام في مادة التاريخ , و كذلك لن تبدو له لغته العربية عبئا على اللسان و تعبا في التفكير .. إنه سيغدو محبا للرياضيات لأنها نشاط عقله و لعبة مسلية , وسيحب العلوم و الجغرافيا لأنه سيكتشف معها عالمه الذي يعيش فيه وما يحيط به من شجر و نبات و بلاد , وسيعتبر درس التاريخ رحلة عبر الزمن وقصة تمتع الخيال .. أما لغته الفصحى فهي سبيله إلى قضاء نهمته من المعرفة و التعبير عن ذاته دونما تكلف أو مشقة … وكل هذا بمرونة و يسر لأنه لن يتعلم لأجل درجات الاختبار ولا لشهادات المدارس , بل لأنه يتعلم ليستكشف و يستمتع و يتسلى ,خصوصا في سنواته الأولى .. و سيكون مؤهلا لاجتياز الاختبارات المدرسية الأساسية لنيل الشهادات دونما ضغط أو توتر .
أما عن تهيئة الوالدين لخوض تلك التجربة فليس الأمر متطلبا لشهادات عالية و درجات ممتازة في سنوات دراستهما, بل يكفي في ذلك إتقان القراءة و الكتابة و الإلمام بالمبادئ الأساسية لكل مادة , مع همة عالية و تنظيم للوقت كبير و جهدٍ لا ينقضي في البحث و تطوير الذات ..
و هذا الموضوع يحتاج تفصيلا و شرحا , لأن وراءَه تنضوي أسئلةُ شائكة و تجاربُ ناجحة و أخرى فشلت ,كما أنه يتطلب إعداداً جيدا و تفكيرا عميقا و خطوة جدية للإقدام على التجربة , لأنها بكل اختصار :: مستقبل أبنائك . فلعلّه يكون موضوعاً لتدوينة أخرى بـإذن الله .
بناء الفكر والارتباط بكلام الله تعالى
من مستلزمات التربية في كل عصر، أن تربّي في أبنائك همّ فهم الواقع والسعي لتغييره أو تحسينه …
وإن كان هذا لأمراً بالغ الصعوبة في عصرنا هذا لتعددِ رؤى الواقع ودراساته، إلا أنه يظلُّ من أولى الأولويات بعد ترسيخ العقيدة السليمة في نفس الطفل. وهذا مرتبط بذاك، فسلامة عقيدة المسلم تشمل جوانب شتى، ولا ريب أن حمل همّ الأمة وخدمة دين الله جانب منها.
فالصراع بين الحقّ والباطلِ قائمٌ منذ الأزل، وستقومُ شوكةُ الدّينِ حينما يعرفُ أهل الحقّ أنهم على حقٍّ فيعملون على تغييرهِ، ويدفعونَ أمواجِ الباطلِ ما استطاعوُا إلى ذلكَ سبيلاً. وإن شئنا أنْ نزرعَ بذورَ المستقبل المضيء فلن نجدَ خيراً من نفوسٍ نقيّة نقاءَ الفطرةِ السليمة، لنُشبعها أملاً و تعلقاً بكتابِ الله، حتى تحفظ الحقّ الذي فيه و تقيمهُ واقعاً جليّا .. وسيتسنّى ذلكَ بربط الجيل القادم بكتاب الله تعالى وسنة نبيه، فيستقي منهما التعاليم والآداب، ويرجعُ إليهما عند كلّ عسرٍ وضائقةٍ لينهلَ من معينِ الحكمة الفياض وعذوبة معاني الثباتِ والعزّة والإيمان. فلن يصيبه الحزن واليأس وهو يرى أمّة قابعةً وراء اسوار الجهل والخوف بعدما كانت تنير الدّنيا بعدلِها وإيمانها، لأنه قد فهم مراد الله من قولهِ:
﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾سورة آل عمران
ولأنه يعلم أن الباطل زائل لا محالةً:﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) ﴾سورة إبراهيم
بل سيعمل ويتعلمُ ليرفعَ الجهلَ عنه وعن إخوانهِ، موقناً بنصرِ الله، آخذاً بأسبابه، صابراً على الأذى في سبيلهِ، لسانهُ لا يكفّ عن ترديد ” اهدنا الصراط المستقيم”، مستشعراً لمعاني الاستعانة والدعاء.
وما هذه بكلماتٍ تُنسجُ في حبال الخيال، بل تحقّقُ بأمرين:
- معرفة لا إله إلا الله، معرفةَ يقين وعمل لا نطق لسانٍ وكفى. فتتحقق معها معاني الإيمان والتزام شريعة الرحمن.
- معرفة التاريخ دونما تشويه أو تزييف. فالطفلُ الذي ربّي على قدوةٍ تتجلى في الرسل والأنبياء، وعرف أبطاله بين صفوف الصحابة والصالحين، فصار يتوق أن يصير مثل أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعليّ، لــَهُــو جذور النبتة التي ستنمو فتزهرُ وتخضرّ وتتألق.
ولن يستقيم لك الأمر ما لم تكوني أنتِ نفسك ملمةً بواقعك فاهمة لتفاصيله. فتختصرين على أبنائك الطريق وتؤسسين فيهم هذه اللبنة منذ الصغر، ليغدُوا دعاةً إلى الحقّ لا أداةً في يدِ الباطل.
ختاماً
وقد طالت الكلمات، لتجولَ بين بساتين متفرقة. و إن لم تكن قد طالت كثيرا لتحيط بكل التفاصيل، فلعلها تترك لديكِ أثراً محموداً لتعودي في رحلةٍ أطول و أكثر تأملاً، لتقفي عند كل بستان تتنعمين بغرسه و تقطفين منه يانع الثمر .. فما كانت تلكَ إلا خطوطاً بسيطة تترك أثرا قد يختفي مع الوقت، فلعلها ترسم لك طريقاً فتختصر عليك مسافات التخبّط والتيه … كيلا يفوت أوان العناية بنبتتكِ، فيعظم المصابُ وتتفاقم الحسرةُ والحيرةُ.
لأنّ نبتتكِ لن تغدو يانعة معطاء إن لم تسقيها بماء الاهتمام و تبذريها بخصب النوايا و الدعاء، و تصبري على نموّها دونما تضجر أو سخط ..
نبتتنا، لن تزهر ريحانا وياسمين، ولا سوسناً و لا أقحوانا ..
نبتنا ستتفتح لتبرز إلى الوجود إنساناً ,مسلماً ,مؤمناً ,عالماً عاملاً ..
ستنبت من يُستخلف في الأرض بحقّ ليُقيمُ عزّة الدين ومجدَ الأمَة.
فلنتعهدها ما دام فينا فكرٌ يعي وعرق ينبض وروح تسري.
بشرى أم عمر
بتاريخ 19/04/2015 مـ
30 جمادى الآخر 1435 هـ
” فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية ، لا تصاغ صياغة سليمة ولا تنضج نضجاً صحيحاً ولا تصح وتستقيم على منهج ، إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية ، التي تحفر في القلوب وتنقش في الأعصاب وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث ”
سيد قطب رحمه الله
