من الذي حكم على حياتنا بالركود، وعلى أيامنا بالرتابة والسأم، وعلى زهرة أعمارنا بالذبول سراعا؟!
من ذا الذي تصورنا كائنات جامدة العقل، خاوية الروح، تفرغ من التنظيف لتحضر الطعام، وتضع الطعام لتجمع البقايا على الأرض بعده، وتمر أيامها كل كسابقه في الرتابة والجمود!
صورة لامرأة تنشر الملابس في السطح، وتنزل لتحادث الجارة أمام باب بيتها. حوارهما لم يبرح دائرة الفضول والنميمة وتفاصيل عرس بنت الجيران..
وتلك صراخها على ابنها يعبر أنفاق الزمن ويتردد في أصداء المستقبل جرسا منذرا!
وتلك التي تدع الصغار يعبثون في الحي وتلك التي تقضي جل الأوقات أمام سلسلة من مائة حلقة أو يزيد وتلك وتلك وتلك.. حقا إن من عاين هذه النماذج وعاش معها فسيدرك ان القرار في البيت جالب النحس ومكدر للأرواح وهادر للعقول!
لكن تلك التي تعيش أمومتها بحق لا صوت لها فيسمع، لأنها موغلة في خوض تفاصيل يومها ،عاكفة على التأمل في حالها وكل سلوك لأبنائها هو مدعاة لتفكيرها وتخمينها؛ أهو علامة تمرد أم سمة لقوة الشخصية فيهم؟ أهذا العراك سببه الغيرة أم حب التفرد بالساحة؟
عقلها لا تبرحه أسئلة إلا كي تسكنه أخرى..
وهي إن فرغ لها وقت فغالبا ما يكون لصمت جميل أو محاسبة ومراقبة لما مر آنفا. فمن أين للرتابة أن تطبع أيامها وهي في رحلة فكرية وعاطفية تزعزع كيانها لتؤسس بنيانا على هدى من الله؟!
وإنني لو تكلمت بلسان حال الأمهات لقلت إن أيامنا أيام مجاهدة ومصابرة، و تعلم للصبر لا يتوقف، فمهما تحلينا بصبر نحسبه يكفينا تأتي مواقف أشد وأصعب..
إننا في صراع مع أنفسنا أولا، فرحلة التغيير طويلة وشاقة، لكن ما نبذره في أنفسنا نرى ثمرته عند صغارنا ولا ريب.
نحن إن عرفنا الحق فسننشغل بإصلاح صورتنا التي تعكس ما بداخلنا، فتلك الصورة هي القدوة والمربي !
ومن يعي دور الأمومة حقا فسيعلم أنه عن الركود بعيد ومن الرتابة والجمود خال، فهو رحلة استغوار أو غوص ربما، دوما هناك الجديد وهناك المغامرات والإثارة والمتاعب، بيد أن ذاكرة التاريخ ستحفظ آثارها وتخلدها إن شاء الله، ما كانت رحلتنا أثمرت عن لآلئ وأصداف.
وحسبنا أن الله يعلم، وظننا فيه جميل، فهو لن يضيع أجرنا!
بشرى أم عمر
نشرت على فيسبوك عام 2017
