في خضم حديثنا أنا وزميلتي، تبادلنا أطراف الرأي عن الاشتراك في إحدى الدورات التدريبية لتنمية مهارات التواصل في التربية.
تشمل الدورة تمهيدا لمفهوم التواصل اللاعنيف وإدارة الخلاف وإدارة المشاعر..
جذبنا الحديث إلى التطرق للجوء إلى الصرامة والحزم الظاهر في بعض الحالات، وخاصة مع أطفال ليس لتمردهم حدود ولا لفوضاهم خط يرسم نهايتها.

سألتني : وهل تنوين الحضور معنا؟
ترددت، ثم قلت لها : وصلت إلى مرحلة لا أريد فيها الانخراط بدورات. ليس لعلم غزير ولا لفهم عميق، بل ما زلت أتعلم. لكنني وصلت إلى تخمة تحتاج مني صياماً.
وفكرت بعدها فيما قلته لها.. ثم استطردت : بالأحرى، كان يجب أن أقول لك : لا طاقة لي كي أتحمل تغيراً في نفسي.. حضور الدورات يبغي عزما وشجاعة على المواجهة والتغيير إن بدا لك في مسارك الحالي اعوجاج أو مطبات.
حاليا، ليس لي طاقة تستوعب ذلك.
بقيت أفكر في كلامي، وتذكرت حالي قبل 7 سنوات حينما كنت حريصة على القراءة والتعلم في كل ما يخص فنون التواصل بين الآباء والأبناء.. كيف أستمع لطفلي. كيف أصغي له؟
كيف أعطيه اهتماما؟ وكيف يجب أن يكون الجواب؟
تعلمت بعدها أن لكل “أنا” حاجة. وأن كل شعور يخفى وراءه حاجة ما.. و لكي يكون التواصل بناءاً ورحيما، لا بد من وصف ما تحس به دون أن تلقي بلوم او جرح للآخر. وتعبر عن حاجتك بوضوح مصيغا لها في طلب واضح.
ورأيت فعلا ثمرات ذلك التدريب الشاق.
كنت كل مرة أواجه فيها نفسي : بمساوئها وسوء طباعها وبخزان ذكرياتها المتدفق.. صورة الطفلة الصغيرة والمواقف التي عايشتها ما زالت تحضر أمامي واحدة تلو أخرى : مدرسة وذكريات الروض، أيام العيد، اللعب في زقاق حينا، المسجد، المدرسون.. وغيرها كثير..
صور ملونة بلون الفرح تارة وبلون الحزن تارة أخرى.. وأحيانا ألوان من القهر والخوف والدهشة والخجل والتفاؤل..
لا يمكنك بحال أن تحضر دورات ولا ترى أثرها في العمق..
وخاصة تلك المتعلقة بالتربية..
كان ذلك طريقا يقود إلى ما يليه : إشراك الأطفال في المهام ووضوح الرؤية والعقوبة أو (عقاب تربوي)..
المهم، كلمات هي، ومسميات، في النهاية تصبّ في أن تكوني واضحة فيما تفعلين..
مرّ وقت، وكان فيه إفراط في استخدام اللين وتارة في التوبيخ والصراخ، ومرات يكون الميزان عادلاً فيأتي توازن مطلوب في أوانه..

أيام هي وشهور وسنوات..
وما زال المشوار طويلاً لم يكتمل بعد ولن يكتمل، فما هو إلا صورة لمهمة استخلافنا في الأرض..
نتعلم شيئا وكلما تعلمنا سعينا إلى المزيد. وكل معرفة تخفي وراءها الكثير فنحس كأننا أقزام في بلاد العمالقة..
وما هي إلا فطرة في الإنسان 😦 وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا) سورة الأحزاب الآية 72
وتختمر النظريات وتتراكم التجارب، وبين هذا وذاك، تلبسين أنت نظارات التفكر في نفسك والتأمل فيما حولك، فتقودك فطرتك وما رزقك الله من علم إلى توازن يصلح لك ولحالك ولأهلك..
هو مصباح واحد احرصي عليه أن يبقى متوقدا متوهجا : خشية الله ومفتاح الشرع.
قال الله وقال رسوله، ذاك هو ميزانك ، وفيها ما يغنيك عن غيرهم..
إنما نحن قوم متأخرون، عجم لساننا وصار فهمُ كلام الله ورسوله والأثر الصالح، يحتاج إلى قواميس تبسطه وتذلله لنا..
واذا، مهما تعلمنا في الدورات، ومهما كان موافقا للشرع، يظل الشرع هو الأصل.. وليكن حرصنا على إعادة تبسيط تلك المواضيع المهمة في التربية كالتواصل وفهم المشاعر وإدارة الخلاف بلغة عربية يفهمها البسطاء ويكون للشرع فيها الأصل والمراجع، لا قول فلانة وفلان من علماء غربيين.
أعلم أنه علم يؤخذ منه ويرد، وأن علوم التربية استندت إلى أبحاث علمية وخلفيات ثقافية فكرية، لذا فليكن التقاط المعلومة بحساب وعن علم.
وكم من مفاهيم هي في الإنسان فطرة لكن نسبت إلى عالمٍ لأنه رتبها وجمعها فسميت باسمه : العقل الممتص عند منتسوري نموذجا، فصول الطبيعة عند شارلوت ميسون، الإيقاع او الوتيرة عند والدور..
في النهاية حضرت صديقتي الدورة، كان ذلك انفتاحا لها على زاوية جديدة، كيف تجد حلاًّ يناسب حاجتها لرؤية النظام والترتيب من حولها وأن تشرك أبناءها في ذلك دون أن تحس بأنها أم مقصرة في حقهم.. ما زالت تسير في مسار التغير والإصلاح الذي يناسب نمطها وحاجته هي، بعزم وإصرار كما عهدتها دائماً.
ولم أحضرها لأنه لم تكن لي حاجة بمهارات التواصل مع الأبناء، بل في حاجة لفهم مكامن نفسي اكثر فأكثر. لذلك تعمقت في القراءة والتدريب على هذا الجانب وما زلت في هذا الطريق، لأن التواصل مع الغير يكون أكثر نضجاً لما ينبع من ذات تفهم مكامنها وتعي تصرفاتها ورغباتها ودوافعها.. .. هذا ما يعد أولوية بالنسبة لي حالياً.
بشرى أم عمر


رأي واحد على “مسار الأم بين الدورات وصوت فطرتها”