أن تقرأ لأبي فهر محمّد محمود شاكر، وانت لست متمكنا بعدُ من قواعد اللغة والنحو، ولا تملك رصيداً وافيا من المفردات، فتلك مغامرةٌ ربّما يتسرب إلى نفسك بعدها شيءٌ من الإحباط وازدراء النّفس، تليهما همّة وتطلّعٌ لأن يصير ذاك الكلام سهلا عليك يسيراً ذات حين.
كانت الرّسالة مدرجةً ضمن قائمةٍ للكتب التي ينصح بالاطلاع عليها وقراءتها، من أجل تكوين الملكة اللغوية. وهي على قلة عدد صفحاتها، تستدعي انتباها وتركيزاً مع كلّ كلمة، فعلاوة على رقيّ الأفكار وصعوبة الطرح الأدبي، نجدُ بعض المفردات غير مألوفة لقارئ مبتدئ اعتاد الكتب السّهلة المبسّطة.
وإن حدثتكم عن المضمون فلن أخفيكم دهشتي أول ما بدأت القراءة، لقد تلقيت كغيري من طلاّب الثانوية درس اليقظة الفكرية ودور رفاعة الطهطاوي وغيره في نشر فكر الأنوار والانفتاح وازدهار المجتمع،ولقصور الاطلاع التاريخي دورٌ في ذلك لاريب، لكن الرسالة تأتي برؤية تاريخية مغايرة ومرتكزةٍ على تفاصيل تاريخية وأحداث لم أكن أعرفها.
تحدث بداية عن المنهج وما قبل المنهج، وجدير بالذكر أنه يقصد بداية منهج أستاذه طه حسين الذي كان يدرسه في كلية الآداب. فقد كان طه حسين يتبنى منهج الديكارتي في دراسته للشعر الجاهلي، وقد انتهى به الأمر أن يعتقد باختلاقه خلال فترة ما بعد الجاهلية لأن أشعار العرب في الجاهلية لم تصلنا.
وقد كان أبو فهر يرى عكس ذلك، مما جعله يخوض في] نقاشات مع أستاذه حتى انتهى به الأمر لترك الجامعة وهو موقن بما يعتقده من أن الشعر الجاهلي غير مختلق وأنه بتذوقه لكلام العرب يستطيع لمس ذلك ورؤيته عين اليقين.]
ثم تحدث عن فساد الحياة الأدبية كما عرفها هو، منتقلا إلى الحديث عن الحروب الصليبية ورموزها الدينية التي خاضت مسارا إصلاحيّا في أوروبا كي تنتقل إلى حربها مع دار الإسلام. تحدث عن عصر النهضة وبدء ظهور طبقة المستشرقين اللذين عكفوا على عملهم في دراسة تراثنا ونهبه وتحريفه، فرسموا بذلك صورة للعالم الإسلامي موجهةً إلى المثقف الأوروبي، وكان في هذا تمهيدا لما بعده.
وفي خضم هذا واصل حديثه عن المنهج وشروطه الثلاثة : اللغة والثقافة والبراءة من الأهواء بتفصيل وحسن بيان، ليخلص إلى حكمه على أعمال المستشرقين وكتبهم بأنها لا ترقى لان تصل مكانة البحث المنهجي والعمل العلمي الذي تسترشد به الامة العربية في شؤون لغتها وتاريخها وثقافتها ودينها. ثم ينتقل مستنداً على هذه الرؤية إلى الحديث عن “الحملة الفرنسية” في مصر والدور الذي قام به كل من نابليون وكليبر ومحمد علي ورفاعة الطهطاوي وغيرهم في رسم معالم مصر الجديدة وتجديد المناهج. لقد كان مشروعاً التي رأى آنذاك (عام 1977) أنها ( سوف تنشئ اجيالاً من ” تلاميذ المدارس” تتهتك علائقها التي تربطها بثقافتها العربية الإسلامية اجتماعيا وثقافيا ولغويا، حتى يتمّ تفريغها تفريغاً كاملا من ماضيهم كله، ثم يملأ هذا الفراغ علومٌ وآداب وفنون لا علاقة لها بماضيهم، وإنما هي علوم الغزاة، وفنون الغزاة، وآداب الغزاة، وتاريخ الغزاة، ولغات الغزاة. ومع ذلك فإن هذا القدر من العلوم والفنون والآداب إنما هي قشورٌ ومقتطفاتٌ توهمُ النفوسَ الظامئة المفرَّغة بأنها نالت شيئاً يذكر، والحقيقة أنّها نالت غذاءً تعيش به موتى في صورة أحياء لا غيرُ.) انتهى كلامه رحمه الله.
