فتاةُ مُرّاكُش
(1)
تشهد حكايتَنا أوقاتُ السَّحَر و خيوط الفجر وفناءُ الدّار بأشجاره الوارقة و نافورته المنعشة .. حينما ينسكب ماء الوضوء تأهباً للحظات المناجاة و عذب الوصال و القرب ,و ينتشي الفكر كلّ إطلالة صباح بين صنوف الكتب ومدارج الطلب و علوم الأدب : شعر و نثر و نحو و بلاغة , يتلوها تاريخ و فقه و فرائض.. إنها نشوة العلم وما تطبعه في نفوس طالبيها يا سادة.
فقلّما يخلو يومٌ من مجلس علم ترتقي فيه الأرواح و تسمو به الخطرات .
و بعد خفة وطأة حرّ الهاجرة, تتنزه الأنامل بغزل الصوف و الأنسِ بإبرة الطرز ،لتنسج فنّا ينطق بالإبداع ورونق الجمال .. و يا لعذوبة أمسيات الذكر و العلم و الكرم التي طالما احتضنها ذاك البيت بجوده الوافر و خيره العامر !
فشبّت النفوس على حسن الوصل بالخالق و الخلائق و اعتادت البشاشة و الاعتناء بالضيف و الوافد .
ترعرعت “سلمى” في بيت القاضي, كتلك النبتة التي تجد تربتها الخصبة و سقياها.. ربّاها هي و أخواتها على خير نهج و أصفى عقيدة.. فتحلّين بطهر الأخلاق و اكتسبن تذوق الفنون و الابتهاج بنزهة الفكر حينما يجول بين السطور , ليكنّ تلك الأمّ التي حملت على عاتقها جيلاً شامخاً إبان حقبة المرابطين..
و ذات يوم أشرقت سماء مراكش بأنوار ساطعة من بلاد الأندلس ..
حيث العزّ في العقيدة و المكارم في النخوة و الشهامة ..
كان عام اربعمائة و تسعة وسبعين للهجرة ,الموافق لألف و ست و ثمانين ميلادية(479 ه/1086م)
إنّها “الزّلاقة ” يا سادة يا كـــرام ..
أمير المسلمين “يوسف بن تاشفين” يتغلب هو وجنده على جيش النصارى بقيادة “ألفونسو السادس” بنصر من الله و فتح …
لقد صدق الأمير في وعيده لألفونسو “الجواب ما تراه بعينك لا ما تسمعه بأُذنك، والسلام على مَنِ اتَّبع الهدى”
فرحت مراكش و ابتهجت أراضي المغرب و سُرّ كل مسلم في مصر و الشام و بغداد ..
و أضاءت البيوت بأنوار فرحة النصر .. كل من في مراكش لا يفتر عن الدعاء للأمير و جنده بالثبات و العون .. و قد استجاب الله …
عاد الأمير و من معه بعد أن تركوا بلاد الأندلس شامخة بعزّ الإسلام و فرحة النصر ..
و تزوجت “سلمى” لتصير الفرحة مضاعفة ببيت القاضي ,, لم لا و صهره من كبار قادة الجنود المرابطين ؟!!
ثم انتقلت إلى بيت زوجها لتذوق حلاوة الرباط و الصبر, بعدما تنعمت بين بساتين الحكمة و العدل و العلم …
لم يطل زمن الوصال , فقد نادى المنادي لوأد الفتنة بين أمراء الطوائف من جديد ..
و شد الزوج الرحال ليجيب النداء .. فلهيب الفتنة يضطرم في أرض الأندلس من جديد ليفرق أخوة الدين و يرسخ دعوى الجاهلية .. و أهل اشبيلية يذوقون ويلات النصارى و كابوس الشتات ..
مضى شامخا .. ودع أهله و هو لا يدري أنه لن يراهم بعد ذلك ..و أن ترابا غير تراب مراكش سيواريه …ولكنه ليس أي تراب ,,, بل عبق من بلاد الأندلس ..
مضى .. و هو لا يعلم أن بذرته ستنمو ذات يوم ..
يتبع
====
2)
====
– ” انتبه للّوح يا عمر .. لم يجف بعد يا ولدي ”
– ” متى سيجف ؟! أريد أن أنهي حفظ القرءان كي تعلميني علم الفرائض”
– “لا تستعجل يا عمر .. قريبا إن شاء الله .. ما ذاك ببعيد ”
يصبر الولد على مضض , يستظهر على أمّه ما حفظه بإتقان و كأنه ليس ابن خمس ..
ثم يمضي ليستل سيفه الخشبي من غمده … يلوح به في الهواء منتشيا ..
” أنا بطل مراكش .. أنا عمر المصمودي … ”
و يتحقق له ما أراد .. فيختم كتاب الله و يتعلم العلم ليصير في مكان جدّه ويرث عنه هيبته و حكمته ..
و لكنّ مواطن الرّجال هناكَ , فوق الخيول تنتشي بسماع إحضارها و إمجاجها …
تحنّ إلى غوث الضعيف و جبر المهزوم المكسور ..
فلم يجد بدّا من أن يرابط في جيش المسلمين ما شاء الله له ..
و إن الفتى حقا ابن أبيه ..
فأنعم بالوالــد و الولد
*************
تتأمل “سلمى” في وجوه أحفادها .. كالبدر المنير .. سبحان الخالق المصور !! فطر فأتقن و خلق فأبدع. و سرعان ما اتكأت في ركنها المعهود .. تستمتع بخرير المياه المنبعثة من نافورة البيت .. بيت الأجداد العامر بالعلم و المكرمات .. و مرّ شريط الذكريات يتباهى في حلّة مراكشية شمّاء , زينتها العلم و قوامها التقوى …
تذكرت أباها القاضي و سيرة العدل التي ما فتأت تسري بأرض المغرب لتعبر البحر إلى إشبيلية وطليطلة..
و غمرها الحنين إلى زوجها .. ذاك الذي لم يظلهما سقف واحد إلا بضعة شهور .. ليمضي مستودعا إياها أمانته ..و عبقا من الذكريات تستشف منها السعادة و هناء النفس ..
و ها قد لحق به خليفته , ليترك لها أيضا باقة من شقائق النعمان في البستان .. و زهورا أخرى ترعاها بحسن التربية و التعليم .. وها هي ذي تحمل الوصية على كفّ من حبّ و وفاء ..
============
(3)
====
تمر تسعة قرون من الزمن ويزيد ..
و تضلُّ سماء #مراكش منيرة وضاءة كما هي .. يصدح فيها الأذان و تتعالى التكبيرات صباح العيدين ..
لم تعد أخبار بلاد #الأندلس تبشر عن فتوحات و كرامة .. لم تعد هنالك أندلس ..
وبحثت عن “سلمــى” , فلم أجدها تلك التي كانت تعمّر أوقاتها بالذكر و طلب العلم كما علمها القــاضي ..
بحثت و تحريت ,, لكني ما وجدت لـ”سلمـى” طلّتها الحييّة و نضارة وجه صبوح ينطق بصفاء الفطرة و نقاء العقيــدة ,,
لا أخفيكم حسرتي يا سادة حينما وجدتها تسير في الطرقات .. تتعالى قهقهاتها مع كل هبّة ريح .. ترقب القلوب التائهة لتعمرها فساداً و هوى …
ولا غيظي لما بصرتها من بعيد وجلّ شغلِها إغــواء ضعيف قلب أو خبيث نفسٍ .
لقد تفتت قلبي كمدا لما .. لما لمحتها هناك .. وسط الإيقاعات تترنح و تتهادى كما الغوانــي .. تتصيّد إعجاباً أو رمشة عين أو ربّما لا شيء .. فقط هوى نفسٍ عبثت بها رياح الأبالسة, فقبعت تستظل بوقع الآلات و تمايل الأجساد … تواكب الموجة َ و تسير مع الريــح .. ليس لهدف محتوم … بل لأنه موسم “موازيـــن ”
لاا ,لاا .. “سلمى” ليست بينهنّ يا سادة يا كرام ..
إنها ليست في مواطنَ كتلك..
أتراني أخطأت وجهتي ولم أيمم وجهي نحو القبلة ..
أشرقت ملامحي و انشرح صدري لما رأيتها بينهنّ
فتيات كما البدر التمام , ببسمات خجولة تستظل تحت حجاب الحياء و غطاء الرأس .. تمشين على استحياء .. تتحدث إحداهن و لا يسمع حسُّها .. و تتلاشى في الحين لو سمعت ما يخدش الفطرة و يوقع بقدْر النفس .. فتودُّ لو تواريها الأرض قبل أن تحتد حمرة وجهها غضباً و أسفاً ..
كانت “سلمى”بينهن , بحجابها تتألق نوراً و حياءاً .. تضم كتابها إلى صدرها فتشتم منه عبق العلم و رائحة المعرفة , فكأنما هي تتنفس باستنشاق نسماته , وتقدمت بخطى متسارعة نحو البيت , يحدوها إليه شوق للحضن الدافئ و الملاذ الآمن .. وتارة تسير كما الفراشةُ خفّة , تنثر عبير الفطرة النقية و محاسن الأخلاق .. فترسم الصورة المثالية دون أن تدري أنها قدوةٌ في خلقها و داعيةٌ إلى الله بثباتها ..
و تمضي إلى البيت قريرةً .. تفخرُ أنها تسير في أرض المرابطين و تعيش فوق أرضها وطئتها خيولهم و عمرتها نساؤهم بفيض حب و قمةّ العطاء ..
ويتعالى صوت الأذان أيها الأحبة ..
يصدح في سماء المدينة لتعانقه القلوب المتوجلة المخبتة , ويغسل أدران أفئدةٍ غشتها القسوة و صدأتها الآثام .
“الله أكبر الله أكبر ”
و بالقرب, إذ بشيخ كبير احدودب ظهره و أثقلت السنين خطواته, فجعل يستند على عكازه سائرا في طريقه … كانت همهمته تسبيحا و استغفارا .. يواصل المشي حثيثا كي لا يفوته الصفّ الأول ..
و تتلون الصفحاتُ بمداد التاريخ ..
لتتجدد الحكايةُ في كل زمان يا سادة يا كرام …
يسطرها أهلها و يمضون لتبقى أثرا بعدهم ..
و لتبقى حكاية مراكش خالدةً في بحر الحكايات ..
تشتاقُ إلى فَتاتها الخجول… إلى حديث المغزل … و إلى ريشة ترفرف فوق أوراق الحكمة ..
و ستبقى مسطرةً في كل ذكرى و كل زمان …
(النهاية)
بشرى أم عمر
(نُشرت على صفحة مغربية حرة بتاريخ يونيو 2015)

مقال و أسلوب رائع، وفقكم الله
إعجابإعجاب
أجد نفسي في مقالاتك كثيرا انا ام مغتربة لولدين. مرهقة ضائعة عاجزة بعد الحادث الذي كاد ان يودي بحياة ابني فهل انا السبب في ما جرى الست اما جيدة بل لا استحق ان اكون أما هكذا جلد لذاتي يوميا تعبت حتى وصل بي الامر للتفكير في الاستسلام لأنني لم اعد أستطيع المواصلة أشعر بأنني غير قادرة على العطاء وهم يطلبون مني العطاء كل يوم اقوم واقول كيف سيمر اليوم يا ترى. إلى أن اتى اليوم الذي وجدت فيه مدونتك هي كجرعة الامل والقوة لي لن تتصوري كم قرأتها من مرة جميع مقالاتك كلما أحسست بالضعف قرأتها وتجرعت منها القوة والصبر للمواصلة.
إعجابLiked by 1 person
لا تتصوري كم سعدت بتعليق الذي يبدي لي أن ما أكتبه قد يفيد غيري. كل أم تمر بضغوطات وأحاديث داخلية وصراعات لا يعلمها إلا الله، وكل تجربة أمومة متفردة ومختلفة عن الأخرى. الرحلة صعبة وشاقة لا أخفيك ذلك، لكننا ننتعلم، وخير ما يمكن أن نسلي به عن أنفسنا معرفتنا أن الله يعلم السر والعيب، هو عليم بما نبذل ومدى تفانينا وصبرنا.. لذا استمري في عطائك. وإن كانت تسليتك في الكتابة، فلا بأس من توثيق تجربتك ولو لنفسك، فإن فيها متنفسا وستبقى شاهدة على تجربة مثرية. سجلي صوتيا هذه الصراعات او اكتبي عنها او ارسميها… ربما هناك طرق أخرى لتجعلي منها تجربة ملهمة، فكل أم هي مدرسة متميزة بفلسفتها وعطائها. دمت طيبة مباركة ووفقك الله في هذا الخير
إعجابإعجاب