يُقال إن فاقد الشيء لا يعطيه, لكنّه يدركُ قيمةَ مالا يملكهُ لا ريب, و إن صار في يدهِ يوماً ما، فسيحرص عليه ويحفظ لهُ مكانته. هذا إن كان الشيء قيّماً في ظاهره ومكنونه, فكيفَ به إن كان هوَ إتقانَ اللغة العربية والتخاطب بها؟
هذا ما أراهُ جليّا في حرصِ الأعاجم على تلقين أبنائهم اللغة العربية منذ الصغر, وتكلّفهم في ذلك كل مشقّةٍ, وبذلهم لها من وقتهم ومالهم وجهدهم, فتجد الواحد منهم لا يعرفُ إلا بضع كلمات لا تكفي لفهمِ نصٍّ بالعربية, لكنه حريص على إحضار أبنائه إلى درس اللغة العربيّة ومتابعتهم بكل ما استطاع. يظلُّ هذا مثالا مستوحى من الواقعِ لكنّهُ ليس مبدأً ولا قاعدة. إنّما السؤال الذي نطرحهُ دوماً ونتخبّطُ ونحن نبحث عن جوابٍ لهُ هو تلك الكيفيّة التي تؤهلنا لإتقان اللسان العربيّ حتى نُخاطب به أولادنا ونرسم لهم مثالاً يحتذون به ؟

بادئ ذي بدء, أنقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عن أثر تعلم الأقوام المسلمين للغة العربية بعد الفتوحات, يقول: « ولهذا كان المسلمون المتقدمون لما سكنوا أرض الشام ومصر, ولغة أهلهما رومية, وأرض العراق وخراسان ولغة أهلهما فارسية, وأهل المغرب ولغة أهلها بربرية؛ عوّدوا أهل هذه البلاد العربية, حتى غلبت على أهل هذه الأمصار : مسلمهم وكافرهم, وهكذا كانت خراسان قديما.
ثم إنهم تساهلوا في أمر اللغة, واعتادوا الخطاب بالفارسية, حتى غلبت عليهم وصارت العربية مهجورة عمد كثير منهم. ولا ريب أن هذا مكروه, وإنما الطريق الحسن اعتياد الخطاب بالعربية, حتى يتلقنها الصغار في المكاتب وفي الدور فيظهر شعار الإسلام وأهله, ويكون ذلك أسهل على أهل الإسلام في فقه معاني الكتاب والسنة وكلام السلف؛ بخلاف من اعتاد لغة, ثم أراد أن ينتقل إلى أخرى فإنه يصعب). اقتضاء الصراط المستقيم
فكان مفتاح تسهيل العربية على الصغار هو اعتياد الخطاب بها لتغلُب على اللسان ويستقرّ أثرها.
وحتى يتقن الآباء التحدث باللغة العربية لابدّ لهم من تأسيس علميّ متوازنة جوانبهُ، يقومُ على ضبطٍ تطبيقي لقواعد النحو والصّرف وإن لم يدرسوا علمي النحو والصرف باستفاضة، وغنىً في المعجم يكفيهم تسمية الأسماء بمسمياتها واوصافها والتعبير عن أنفسهم.. وفي هذا أقترح بعض الخطوات التي أعتني بالسير عليها ولمستُ بعض ثمارها :
- المداومة على تلاوة القرآن الكريم والاستماع إليه. مع السعي لإتقان تجويده، لأن ضبط مخارج حروفه وقواعد تلاوته له أثر عظيم في تقويم اللسان وتحسين النُّطق واكتساب القواعدِ اللُّغويَّة مُمارسةً.
- الاستماع إلى الكلام العربيّ الفصيح من خطب ودروس وبرامج ثقافية. وتُعدُّ مقاطع الفيديو للشيخ الكملي نوادرَ أدبية ولفتات تاريخية ولغوية ذات قيمةٍ منقطعة النظير. كما أن السموّ بالذوق السمعي له فائدة جمّة في اكتساب المفردات والأساليب التعبيرية
- الاعتناء بالحفظ, سواءٌ للقرءان أو للمنظومات المبسطة المختصرة كتحفة الأطفال و الجزرية في علم التجويد أو الآجرومية في النحو, ولمَ لا يكون حفظُ بعض الأبيات الشعرية العربية الفصيحة التي قيلت في الحماسة والكرم ومدح فضائل الأخلاق والمكارم.
- القراءة المستمرة, قراءةً متدرجة بحسب سهولة لغة النّصّ والاهتمام بمحتواه. وقد جاء في كتاب “تكوين الملكة اللغوية” سردٌ لقائمة الكتب الأدبية التي ترقى بمستوى اللغة وتُحسّن الذائقة اللغوية. وهو كتابٌ تأسيسي في تكوين الملكة اللغوية.

ومن بديعِ ما جاء فيهذا الكتاب قول الكاتب في بداية الباب الثاني تحت عنوان “خطّة عملية لتكوين الملكة اللغوية” : “…ولكنني أزعم أنني سأرشدك إلى طريقٍ إن أنت سلكتهُ, وقد حملتَ من الزّاد ما يكفيك, وأعددت للسّفر الطويل عُدّته, ووطّنت نفسك على مُكابدة عناء الغربة وشظف الوحدة في تلك الفيافي الموحشة؛ لم تلبث أن تشرف على روضة مريعة غنّاء, يغبطُكَ عليها من استكانوا إلى الإقامة في خفض العيش, واستوحشوا من الترحال وما فيه من المصاعب. وبعدَ أن تبلُغَ غايتك, ويأتوا إليك متعجبين منبهرين فقل لهم: “الصّيف ضيعت اللبن”! وشاركني حينئذٍ شيئا من نشوة الظفر, وسعادة بلوغ الآمال! …ص 95″
- الإلمام بتطبيقات قواعد النحو والصّرف، بحيث ينطلق المتعلْم من كتب مبسطة ككتب القواعد المدرسية نحو : كتاب “النحو الواضح” لمؤلفيه علي الجارم ومصطفى أمين، ثم ينتقل إلى دراسة متن الآجرومية بشرح الشيخ محي الدين عبد الحميد وهو “التحفة السنيّة شرح المقدمة الأجرومية“، وهو كتاب سلس ويتضمن شرح القاعدة اللغوية مع أمثلة عليها وينهي كل فصل بتدريبات لغويّة تطبيقاً للشرح النظري و ترسيخاً للفهم.. فإن أتقنها ينتقل إلى شروحات أكثر استفاضةً وتوسعا كـ “شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب” و “شذا العرف في فنّ الصّرف“.. ومن كل كتاب يستخلصُ ما استفاده ويدوّنه ويحرص على إدراجه في كلامه تباعاً وتقويم كلامه فراراً به من اللّحن والعُجمة. وهذه خطوةٌ فاصلةٌ طويلةٌ لابدّ فيها من الصبر والمتابعة والمثابرة.

هذا دربٌ سلكتُ طريقه منذ أمدٍ وما زلت أسير عليه بخطوات عازمةٍ تارةً وأخرى متعثرةٍ تاراتٍ.. دربٌ طويلٌ لكنّ متعتهُ لا تُضني السائر وما تزيده إلا شوقاً واستزادةً.. فدرب الضّادِ ظليلٌ بديعٌ، بساتينُ حروفِه يانعةٌ وثمارُه معطاء لا تنضب.. وفي خضمّ هذه الرحلة كنتُ أبحثُ عن سُبلَ تساعدني في تقويم لساني والتعبير بطلاقةٍ دونما عجزٍ أو لحنٍ. وقد ارتأيت أن أشاركها غيري من الوالدين الذين يحملون هذا الهمّ ويشتكون من عربيّتهم التي نالت منها العجمةُ..
هذي رحلة طويلةٌ!
ولنا لقاءٌ متجدد في محطّات أخرى بإذن الله.
—————————————————-
بشرى أم عمر (فبراير2019)
لآلئ الضاد : الرابط من هنا
مراجع : ينصح بقراءة كتاب تكوين الملكة اللغوية المذكور آنفاً، فهو غنيٌّ وواسعُ التفاصيل.

رأيان على “دور الوالدين في تعليم أبنائهم اللغة العربية: كيف يستعدون؟”