نشرت تحت تصنيف رحلة الضاد

أهمية الاستماع والتحدث في تعليم اللغة العربية للأطفال

سلسلة لآلئ الضاد

3- دُرٌّ منثور

لم يكن يوماً حلمنا بترويض اللسان لينطق بلسان عربي فصيح ضرباً من المحال أو أضغاث أحلام. إنما هو في الحقيقة عملٌّ شاقٌْ على من تعوَّد تمرير الحروف بين فكيه ولسانه دون إتقانٍ ولا حسنِ بيانٍ.

لقد نشأنا على لغة عامية ولم نكُ نسمعُ الفصحى إلا على الشاشة التلفزية أو أمواج الإذاعة؛ بضعُ دقائقَ تسترعي انتباهنا لعلنا نلتقطُ ما تستسيغه عقولنا الصغيرة آنذاك. وإن كنا تعلمنا حروفها على خمسٍ إلا أن التخاطب بها ظلَّ مرحلةً متأخرةً جدا، وربما أستحي أن أفصّل في ذكرها. والآن صرنا نسعى إليها حثيثا وندأب على تطوير مهارات التعبير بها. إنني هنا لا أتحدث عن أطفالٍ وأمّ، بل أقصدُ الأمّ والأب معاً، بدرجة أولى. إننا، نحن من نضطلع بدور المربي، نعاني من نقصٍ في اللغة، يكادُ يشبه السفينة المخروقة. بيدَ أنّ رتق ما خُرِق غيرُ بعيدٍ مع الصبر والمثابرة والعزم والهمة.


يقوم تدريس المهارات اللغوية، أيّاً كانت تلك اللغة، في عمومه على أربع ركائز وهي :

-الاستماع

-التحدث

-القراءة

-الكتابة..

واختلاف ترتيبها في العملية التعليمية يطرح ولا شكّ تبايناً في جودة التعلّم، لكننا نتحدث هنا عن لغةٍ أمّ، فمن باب أولى أن نبدأ بمهارتي الاستماع والنطق(التحدث) ، ثم يلي ذلك تعزيز كل مهارة من المهارات الأربعة وتحقيق كفاياتها من أجل الإتقان.

كما أن عُمُرَ الطفل المبكّر يُحتّم تتبعَ مراحله الحساسةِ وفضوله المعرفي، وهذا ما يتحقق عن طريق الحواس : السمع والبصر والكلام.

تعزيز مهارات الاستماع والتحدث :

التهيئة والإعداد :

هذه مرحلة تبدأ من المهد، ومن قبله أيضا، حينما كان الطفل بعدُ جنيناً. فحينما تتعوّدُ الأم على الحفاظ على ورد يومي ثابت مع كتاب الله وإن كان صفحة واحدةً، فإنه سيتعوّدُ الاستماعَ إلى تلاوةِ القرءانِ فتُهذِّبُ سمعهُ. وإن كنا لا نلقي بالاً لتطور مهارات الطفل اللغوية في البداية، إلا أن تراكم الصور التي يقتبسها من القدوة والتقليد سيحدث فارقاً بعد حين.

التحدثُ بالفصحى خلال اليوم
يأتي بعدها دور الحديث بالعربية كلغة أمّ، حتى وإن كان بالموازاة مع العامّية. فهذا مطبخ، وهذه تفاحة، وأنت تأكل الخبز، وأمّي تقرأ لعُمرَ كتاباً، وأبي سيأخذ عمر إلى الحديقة.
وإن كنّا بدأنا بكمٍّ قليل من المفردات، إلا أن الاستمرار والدُّربة جعلانا نصبح متحدثين بالعربيّة أفضل مما كنا عليه من قبل، ونتوق لفصاحةٍ في النطق وبيانٍ وطلاقةٍ فيما هو آتٍ بإذن الله.) انظر مقالة على خطى الفطرة والممارسة)

ترانيمُ قبل النوم
لاشك أن قراءة القصص لطفل رضيع ليست عبثا أو مضيعة للوقت، فقد اعتادت جداتنا على ترديد ترانيم وموشحات ومقطوعات تراثية قيلت في نوم الأطفال لعل ( نام نام لأحضر لك زوج حمام) أكثرها شعبية في المشرق، وعندنا في المغرب مقطوعات عجيبةُ المعاني، موزونةَ القوافي.
ولا يخفى ما لتلك الكلمات المنغمة الهادئة من أثر مغناطيسي منوّم! 😊
فلنسمها إذا ترانيم ما قبل النوم.
هذه الأناشيد التي يعتاد الرضيع سماعها ستنقلب مع مرور الزمن قصصاً وحكايا تؤنس الطفل قبل نومه وتهدئ من روعة غضبه. فلمّا ندرج فيها الكلمات العربية الفصيحة تباعاً يلتقطها سمع الطفل فيحفرها في ذاكرته.. تلك قصة سفينة السندباد تسير في البحر وحولها الأمواج. فانظر إلى ثلاث كلمات رسخت في آن واحد (سفينة، بحر، أمواج)
وسواءٌ كانت القصة قبل النوم أو في وقت آخرَ قبله فهي وسيلة تربوية بامتياز لغرس القيم والحث على الاكتشاف.
رابط ورشات أتعلم بالقصة

القرءان الكريم والسنة النبوية

ليس الاستماع إلى آيات القرآن وحسب، بل سردُ القصصِ المرتبطة به و حفظ الآيات المتعلقة بها ممّا يقوّي الملكة اللغوية لدى الطفل ويغني معجمه الصغير. كما تأتي السيرةُ النبويّةُ ومواقفها معززة شارحةً للسياق التاريخي والشخصيات المؤثرة التي ترسمُ قدوةً نعجزُ أن نأتي بمثلها في زمننا. وسيأتي التفصيل في هذا في منشورات أخرى بإذن الله.

مهارات القراءة

يختلف وقت تعليم المهارة من طفل لآخر، فبعضهم يبدأ بالكتابة أولا ويبدي استعدادا لرسم الحروف والكلمات بدقّة. والبعض الآخر يهتم بالقراءة أولاً.

وفي تعلم القراءة ينبغي اتباع تدرج يثبت المفاهيم ويغنيها ولا يبعث على الملل. ولا بأس إن اتبع المربي منهجية يؤسسها هو بحسب ما يراه ملائما لابنه المتلقي. فبين الطريقة التحليلية التي تبدأ من الجملة والكلمة لتصل إلى تثبيت الحرف، وبين الطريقة التركيبية التي تنطلق من الحرف لتكون قراءة للكلمة والجملة. وقد تنفع طريقةٌ وتؤتي ثمرها مع طفلٍ لكنها لا تلقى نجاحا مع طفل آخر، وهذا ما يدركه الوالدُ المعلم بحسب ما يعرفه عن ولده.. وقد يكون التوازن في نمط للقراءة يجمع بين القراءتين وهو ما يصطلح عليه “القراءة التوليفية”، خصوصا أن الطفل عربي اللسان فهو يفهم معاني الكلمات، فتارة يركبها من حروف يعرفها وتارة يحلل الكلمة ليصل إلى الحرف وهكذا.

نور البيان:

في تجربتنا الأولى لتعلم القراءة، اعتمدنا على الطريقة النورانية في تعلم الأبجدية والتهجي، مستعملين كتاب نور البيان (وهو منهج لتعليم النورانية لأطفال الروض يقوم على القراءة التركيبية) لما رأيت فيها من بساطة وتدرّج ولأن عرض كل تدريب منها لا يأخذ وقتا طويلا يبعث على الملل.فالتعرف على الحروف كلها جاء بعد سنتين تقريبا من التعرض للمحتوى العربيّ والبطاقات التعليمية والكلمات التي نصادفها فيما نقرؤه أو ما نكتبه ونرسمه (سيارة- عمر- أمي-أبي – جدي-جدتي-خالي- عمتي-عمي-خالتي..) زد عليها أسماء أفراد العائلة.
لم يأت كل شيءدفعة واحدة، وأخذ مراحل متباعدةً أزمنتها حيناً ومتقاربة أحيانا.

يبدأ التعلم بتعرف أشكال الحروف العربية و رسمِها في الأول والوسط والنهاية، مع محاولة الإتيان بمفردات تحتوي صوت الحرف،

ولا ننسى تقليد صوته مجرداً (أبْ، أتْ، أحْ..) وأركز على الإتيان بحرف متحرك قبل الساكن في العربية، لأننا نؤصل قاعدة مهمةً في اللغة العربية خلال تعليمنا إياها ألا وهي : العرب لا تبدأ بساكن ولا تقف غذعلى متحرك.

بعدها تأتي الحركات :الفتحة وتدريباتها على الحروف والكلمات والجمل
1- بَ : با فتحة بَ
2- كَتَبَ: كاف فتحة كَ، تا فتحة تَ كَتَ، با فتحة بَ = كَتَبَ
3- رَسَمَ وَكَتَبَ، رَكَعَ وَسَجَدَ

ثم يأتي التدريب على الكسرة بنفس الطريقة، مع تركيبها مع الكسرة في كلمة وجملة :
لَعِبَ
عَمِلَ وَ تَعِبَ.
وهكذا تتالى الحركات :

ضمة مثل كُتِبَ، صَغُرَ وَكَبُرَ،

ثم سكونٌ ثم مدودٌ فَتنوينٌ، ثم لام شمسية وقمرية.

وكلُّ مرحلة لا نتجاوزها إلا بعد إتقانها، لكن إن وجدنا أن طرح المفهوم الجديد قد يعزز القديم ويثبته فلا بأس.
وطريقنا إلى ذلك : اجتهادٌ وطول زمان.

أخي لَن تَنالَ العِلمَ إِلّا بِسِتَّةٍ

سَأُنبيكَ عَن تَفصيلِها بِبَيانِ

ذَكاءٌ وَحِرصٌ وَاِجتِهادٌ وَبُلغَةٌ

وَصُحبَةُ أُستاذٍ وَطولُ زَمانِ

وفي خضمّ هذا التعلم الذي كان لا يأخذ بالكاد عشر دقائق كل يومٍ، ظلت القصةُ والحكي رفيقينا، وحفظُ ما تيسر من كتاب الله لنا نوراً وبركةً.

وكانت القراءة كالحلّة التي تزيد الطّلّةَ بهاءاً، وكمصباح منيرٍ يضيءُ ما حولكَ فتراه جليّاً واضحاً.. كانت بوّابةً يَعْبُرُ منها العقلُ الصغيرُ المفعمُ بالشغف والتطلّع للمعرفةِ إلى عوالمَ مختلفةٍ لا يرتوي منها إلا بقدرِ ما يزيد تعطُّشهُ للإبحار والاكتشاف والغوص في بحر الضاد، بحثاً عن الدرِّ اللامع واللؤلؤ المنثور.

أكتوبر 2018

أفاتار غير معروف

المعلق:

من مولود يولد على الفطرة إلى إنسان ينشأ في أحضانها و يترعرع.. الفطرة لنا حياة و أسلوب .. فلنسر في دربها !

رأي واحد على “أهمية الاستماع والتحدث في تعليم اللغة العربية للأطفال

أضف تعليق