عبّرت “فرانسواز دولتو”, طبيبة الأطفال الفرنسية والأخصائية النفسية, عن أهمية اللغة عند الطفل وفي عملية نمُوّه بأن أسْمَتْ كتابا لها بـ “كلُّ شيءٍ لُغَة”.و ممَّا ذكرت فيه أن التطور اللغوي عند الطفل يبدأ في مرحلة ما قبل المهد, فقد أثبتت الدراسات أن حاسة السمع تعمل قبل أن يولد الطّفل, فهو يبدي استجابة للأصوات المحيطة به وهو بعدُ جنينٌ, وبخاصّة صوت الأمّ . كما أنه يستطيع إدراك نبرات الصوت وتباين إيقاعاته. كما تحدّثت عن الوظيفة الرَّمزية للّغةِ والتي تتمثل في تمكينها للطفل من تسمية الأشياء الحاضرة منها والغائبة, كما أنها تتيح لهُ التواصل مع المحيط. واللُّغة ركيزة لعملية التواصل التي ترسم ملامح النمو الاجتماعي للطفل, والحياة النفسية تتركز على اللغة هي الأخرى, فبالتالي تتطور اللغة بالموازاة مع النمو العقلي للطفل. إن اللغة و الفكر هنا مرتبطان بقوّة. كما أنَّ اكتساب المهارات اللغوية مؤشرٌ على نسبة الذكاء. ويكتسب الطفل اللغة بالتفاعل مع البيئة المحيطة به, فهو ينتبه للّغة التي يتم التواصل بها معه فيحاول تقليدها, وكُلَّما تعرَّض لمؤثراتٍ لغويَّة أكثر زادتِ استجابتهُ. هذا ملخصٌ سريعٌ لبعضِ النّظريات والدّراسات الحديثة التي تطرّق الكتابُ إليها.
1. تعريف اللغة
مفهوم اللغة لغوياً: أصلها لغي ولغوٌ والهاء عوض, وجمعها لغى ولغات أيضا, والنسبة إليها لغوي, واللغا: الصوت, ويقال أيضا لغى به : أي لهج به.
واللغو النطق, يقال : هذه لغتهم التي يلغون بها أي ينطقون و الطير تلغى بأصواتها أي تنغم. ولغا يلغو لغواً: تكلم. واللغة هي الألسن.
مفهوم اللغة اصطلاحا:
فسرها ابن جني “بأنَّ حدّها أصوات يعبّرُ بها كل قوم عن أغراضهم“. ويشتمل هذا التعريف على أربعة جوانب هي :
- أن اللغة أصوات
- أن اللغة تعبير
- أنها تعبير يعبر بها “كل قوم”
- أنها تعبير عن “أغراض”
في حين أشار ابن خلدون إليها بأنها “اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل لساني ناشئة عن القصد لإفادة الكلام, فلا بد أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها وهو اللسان، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم ” المقدمة 1254″ اللغة ملكة في اللسان وكذا الخط صناعة ملكتها في اليد “المقدمة 1252″ (علم اللغة العربية محمود فهمي حجازي)
أمّا ابن سنان الخفاجي فيذكر أن اللغة هي: “ما تواضع القوم عليه من كلام“. ويذكر هذا التعريف الطبيعة الاصطلاحية للغة الإنسانية فاللغة تتيح لمتكلميها التواصل عبر قناة تواصلية ثابتة بثبات الاصطلاح.
هكذا عرّف العلماء العرب القدامى اللغة, ويلاحظ أن هذه التعاريف تشير إلى كون اللغة هي أصوات أو ملكات في اللسان تختلف باختلاف الأمة, وهذه الأصوات يستخدمها كل قوم للتعبير عن أغراضهم ومعانيهم. ( المصدر: الاستيراتيجيات الحديثة لتعليم وتعلم اللغة- د.علي عبد السميع قورة و د. وجيه المرسي أبولين)
2. آراء في اكتساب اللغة عند علمائنا القدامى :
في تراثنا العربيّ كلامٌ وشرحٌ مستفيضٌ عن ماهيّة اكتسابِ اللُّغةِ والعواملِ المساعِدَةِ في ذلكَ. أنقلُ بعضَ ما جاء في ذلكَ لما وجدت فيه من وضوح ودقّة في الضبط و الاقتباس , وسأورده هنا بنصّه ومصدرهِ.
( مذكرة الماستر في اللغة العربية عن أهمية السّماع في اكتساب اللّغة وفي تعلّمها قبل التّمدرس- جامعة ورقلة-الجزائر – يحي علاق) الرابط
( إن مساءلة واستنطاق بعض نصوص تراثنا العربي الزاخر التي تطرقت إلى مسـألة الاكتساب اللّغوي ، أظهرت اهتمام بعض اللّغويين وعلماء الكلام والفلاسفة العـرب بهـا، وكان من عنايتهم باللّغة العربية أن أحاطوها بهالة من التّقديس لارتباطها بالقرآن الكـريم جعلتهم يخوضون في مسائلها وما تعلّق بها بإسهاب ومبالغة وتنزيه، فمعظم الآراء التـي سنذكرها لهم هي وحي من اللّغة العربية المرتبطة بكلام االله عز وجلّ ، لأنّـه لا يعـرِف عظمة هذه اللّغة إلا من اطّلع عليها وتعلّمها وغاص في أسرارها وتذوق حلاوتها . وسنحاول أن نتلمس بعض الآراء والأفكار المتفرقة لكوكبة من العلماء العـرب الـذين اهتموا بقضية تحصيل اللّغة وامتلاكها .
أ. رأي ابن فارس ( 395 هـ)
لم يعد هناك أدنى ريب ولا شك في أن اللّغة تكتسب اكتسابا، فهي لا تولد مع الإنسان، وإنما الذي يولد معه هو الاستعداد لتعلّمها، فهي « تؤخذ اعتياداً كالصبي العربـي يسـمع أبويه وغيرهما، فهو يأخذ اللّغة عنهم على مرِّ الأوقات، وتؤخذ تلقُّنا من ملقّن» . ففي هذا النّص يرشدنا ابن فارس إلى طريقين لتحصيل اللّغة واكتسابها، وهما على النّحو التالي :
1-السماع العفوي : ونعني به عملية الاكتساب المباشر بموجب المنشأ والمعاودة دونما تقنـين أو تعلـيم مقصود بوعي وإحساس، فالمصدر الأول لاكتساب اللّغة هو البيئة التي يعيش فيها الفـرد، لأن الطّفل يولد بدون أي معرفة باللّغة ، ولكن بفضل استعداده الفطري يبدأ بشكل متـدرج في تحصيلها. ومن هنا يأتي دور الوسط الاجتماعي الذي ينمو فيه، فمنذ أيامه الأولى يبدأ بسماع الكلام من أبويه وأفراد عائلته والمحيطين به من جيرانه وأبناء مجتمعه، فلا يمكـن أن تتنامى حصيلة الفرد اللّغوية إلا إذا كان متصلاً بغيره من النّاس ، لأن اللّغـة ظـاهرة اجتماعية تنشط وتقوى وفق نشاط مجتمعها، فهي ليست غريزية بل ظاهرة إنسانية مكتسبة يأخذها الفرد منذ ولادته بالسماع والمحاكاة .
2 – التلقين: يعد التلقين النّهج الثّاني الذي تكلّم عنه ابن فارس في اكتساب اللّغة « وتؤخذ تلقُّنا مـن ملقّن» ويظهر أن الغرض منه التّعليم وصقل الموهبة (…) إلا أن التّلقين بالمشافهة يعتبر منهجا متّبعا عند العرب؛ فقد كان يتم تناقل أشعارهم وكلامهم، وما كان من أيامهم وأسمارهم شفاها بالحفظ والرواية من جيل إلى جيل، ثم نزل الوحي الأمين على محمد صلى االله عليه وسلّم بالقرآن الكريم شفاها، وتلقاه عليه الصلاة والسلام سماعا وحفظا، وكذلك رتّله على أصحابه مـن حوله، فما كان عليهم إلا أن تلقّوه بالسماع والحفظ في الصدور، وما زال القرآن يتلى كما كان يتلوه رسول االله صلى االله عليه وسلّم للحفاظ على طبيعة الصـوت واللّفـظ بترتيلـه وتجويده اتّباعا لسنّته، وتعبدا الله تعالى، وامتثالا لأمره ﴿ ورتّل القرآن ترتيلاً﴾ ، (…) ولم يكن التلقين وسيلةً لتواتر القرآن الكريم من جيل إلى آخر، بل كان أيضا وسيلة لنقل حديث رسول االله صلى االله عليه وسلّم، وحفظ الشعر، وتلقّي اللّغة وروايتها مما ساعد على ظهور كثير من العلوم كعلم الحديث والتاريخ واللّغة و النّحو والعروض وغيرها، «وإنّ ما تعتز به علوم العربية حقّا هو نهوضها على المشافهة؛ أي على التّعليم الذي يكـون بلقـاء الإنسانِ الإنسان ،وتواصله معه، عبر اللّغة، ناقلة العلم» .
ب. رأي ابن خلدون ( 808هـ)
تناول ابن خلدون قضية اكتساب اللّغة من منطلق ثابت مفاده أن اللّغـة ملكـة طبيعيـة يكتسبها الإنسان ، حيث يرى : « اللّغات لمّا كانت ملَكات، كان تعلّمها ممكناً شأن سـائر الملكات» فاللّغة عبارة عن ميزة أو صفة إنسانية يكتسبها الإنسان بشكل متـدرجٍ غيـر مقصود، فتبدو هذه المقدرة وكأنها طبيعةٌ وفطرةٌ، «لأن الملكات إذا استقرت ورسخت فـي محالها ظهرت كأنّها طبيعة وجبلة لذلك المحلّ » ، فهو عندما يؤكّد على أن الملكة اللّسانية مكتسبة يميز بين نوعين من عمليات الاكتساب اللّغوي :
الاكتساب من خلال التّرعرع في البيئة وسماع لغته : يُعَدُّ مبدأ السّماع من المبادئ التي أقرها ابن خلدون ونبَّه على أهميته في حصول الملَكة اللّغوية، فأبُو الملكات اللّسانية – في نظره – هو السمعُ وعندما ينشأ الطّفل في بيئةٍ ما تتلقّى أذنه التّراكيب والصّور اللّغوية والكيفيات الكلامية فيقوم بالتّعبير عن مقاصده بواسطة هذه الكيفيات، ويستمع إليها مرّة أخرى فيختزنها ليُعِّبر بها في مقامات يحتاجها، يقول ابن خلدون:« فالمتكلّم من العرب حين كانت ملكة اللّغة العربية موجودة فيهم، يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطباتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم؛ كما يسمع الصّبي استعمال المفردات في معانيها؛ فيلقنها أولاً، ثم يسمع التّراكيب بعدها فيلقنها كذلك. ثم لا يزال سماعهم يتجدد في كلّ لحظة ومن كلّ متكلّم، واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة ويكون كأحدهم» .
اكتسابها بواسطة الحفظ والمران : ربط ابن خلدون بين اكتساب اللّغة وتعلّم اللّغة، وأوجد السبيل لذلك بإيجاد الأجواء المناسبة لعملية تعلُّم اللّغة، وذكر لنا أن أسلم طريقة تربوية هي إحاطة المتعلِّم بالنّتاج العربي الفصيح، والتّعامل معه حفظاً وممارسة، وإن فُـقد الجو الفطري المتحدث باللّغة السليمة فثمة طريق آخر يقوم مقام السماع وهو حفظ النّصوص الجيدة شعراً ونثراً وعلى رأسها القرآن الكريم ليكون المتعلّم قادراً على محاكاة هذه النصوص. يقول ابن خلدون: «ووجه التّعليم لمن يبتغي هذه الملكة ويروم تحصيلها أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث، وكلام السلف، ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم، وكلمات المولّدين أيضاً في سائر فنونهم ؛ حتى يتنزل لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور منزلة من نشأ بينهم ولقن العبارة عن المقاصد منهم؛ ثم يتصرف بعد ذلك في التّعبير عما في ضميره على حسب عباراتهم، وتأليف كلماتهم، وما وعاه وحفظه من أساليبهم وترتيب ألفاظهم؛ فتحصل له هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال، ويزداد بكثرتهما رسوخاً وقوة» . فلا بد إذن من وجود محيط لغويّ مشابه لمحيط اللّغة المراد تعلّمها بحيث تنمـو فـي ذهن المتعلِّم فيكتسب الملكة اللّسانية الشّبيهة، وذلك عبر حفظه لكلام متحـدثي اللّغـة ذوي الملكة الأصيلة ، وترديد كلامهم ، واستعماله إلى أن يجري على اللّسان بصـورة طبيعيـة، وحتى ترسخ الملكة أكثر ، ويكون متعلّم اللّغة كأحد متحدثيها لا بد من كثرة الحفظ ومداومة الاستعمال، وهذه هي وسيلة التّعلُّم لدى الأوائل ؛ فكان يعهد بالطّفل إلى حلقـات المسـجد ليحفظ القرآن والحديث والشّعر منذ الصغر فيكون متحدثاً فصيحاً. ولا بد أن ننتبه إلى مـا ذكره ابن خلدون عندما عدّ اللّغة ملكة صناعية فقال في مقدمته: «اعلم أن اللّغـات كلّهـا ملكات شبيهة بالصناعة، إذ هي ملكات في اللّسان للعبارة عن المعاني وجودتها وقصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها، وليس ذلك بالنّظر إلى المفردات ، وإنّما هو بـالنّظر إلـى التّراكيب، فإذا حصلت الملكة التّامة في تركيب الألفاظ المفردة للتّعبير بها عـن المعـاني المقصودة ومراعاة التّأليف الذي يطبق الكلام على مقتضى الحال بلغ المتكلّم حينئذ الغايـة من إفادة مقصوده للسامع، وهذا هو معنى البلاغة». ) اهـ . مذكرة اللغة العربية لـيحيى علاق. الجزائر . جامعة ورقلة
أحببت أن أنقل هذه الاقتباسات عن اللغة العربيّة واكتسابها لِما احتوته من معانٍ غنيّة عن مزيدٍ من الشّرح والتفصيل, فهي كلامُ أهل العلم والاختصاص وعنهم ننقل ومنهم نقتبس. ولِقارئ الكلمات بعدَ ذلكَ التفكيرُ والتّأملُ والبحثُ عن ضالّته بين أقوال من سبق وأطروحات من أتى بعدهم مُنقّباً عن الحجة البيّنة والقولِ الذي يميلُ إليهِ. وهي في مُجملها لآلئُ تُزيِّن لغة الضّاد وتزيدنا بها تعلّقاً ولها حُبّا وإلى إتقانها سعياً.

رأي واحد على “كيف يكتسب الطفل اللغة: آراء من التراث العربي”