“العربية”, تلك السّهلةُ الممتنعةُ, نهرٌ عذبٌ كلُّ من خاضهُ بمركبِه لم يقنط من مُواصلةِ الرّحلة. فهوَ يتمتّعٌ في كل حينٍ بما يمرُّ عليهِ ناظرهُ من بساتين و جبالَ وحقولٍ وبهجةٍ ناضرةٍ. وهوَ إنْ غاصَ ففي الأعماقِ اللُّؤلؤ لا ريب, بل قلْ : لآلئ وأصداف.
حينما رُزقتُ بولدي الأوّل, كان أوّلُ ما فكرت في تعليمه إياه ” القرءان والفصحى” ، فأن تجد طفلا لم يبلغ سبعاً بعد وهو يحفظ ما تيسر من كتاب ربه ويتحدث بالفصحى ويتذوقها في كل ما قُرِئَ له، كان ذلك ضربا من الحلم الجميل والخيال الواسع الذي لا قيود عليه. المعلقات وشعر المتنبي أو المقامات وكتب الآثار، والمتون والمنظومات؛ هذه كلها مجتمعةً لا تُشَكِّلُ إلا جمالاً ومتعةً لسماعها، فكيف بالاعتناء بالمنتقى منها والمختار!
هي لغة القرآن، تستمع إليه فترتقي، وتقرأه فتسمو حروفك لتعانق هذه الذروة الساطعة..
حقّاً، لا يخلو هذا كلُّه من متعة للنفس لا يعدلها شيء.. فلم لا نيسر على الصغير طريقه كي يبلغ هذه المراقي، ولسانه بعدُ في طور النمو والبزوغ؟!
وقبل الخوض في تفاصيل رحلتنا تلك، كان لزاما أن أَذْكُرَ مكانة “العربيّة”خلال القرون الماضية, إبّانَ الحقبتين الأمويّة و العبّاسيةِ تليهِما الأندلُسيّة لا ريبَ. هنالكَ تبرُزُ لغةُ العلم والرقيّ و تغدو الضادُ مُصاحبةً في ذهنكَ لكلّ أوجُهِ الحضارةِ, إن كان لديك في ذلكَ شكٌّ أو خالطتكَ ريبةٌ، فلقد كانت لغتنا لغة الرياضيات و الهندسةِ والفيزياء والطّب و الصيدلةِ والأدبِ, وفي الآنِ لغةَ الفقه والعقيدة والبلاغةِ, ويكفيك في ذلك الإطلاع على موسوعة فتاوى ابن تيمية وتاريخ ابن كثيرٍ ومجلداتِ التفاسير و ما نُظِم من متونٍ تسهِّلُ استذكارَ المادّةِ العلميّةِ.. وستجدُ ما يسرُّكَ ويغريكَ بتقفي الأثر.

ولمّا يتوقف المتأمل في تاريخِ العربِ وسيرة ِالرسول صلى الله عليه وسلم, على مواقف التعبير عن النفس, يكادُ يعجبُ من وضوح الفكرة ودقة الكلمات الموظفة في ذلك. ولا ينقضي إعجابي من فصاحة الصبي في عهد عمر بن الخطّاب رضي الله عنه حينما مرَّ بصبيةٍ يلعبونَ, فلمّا رأوه هربوا إلا غلاماً واحد ثبت في مكانه, فلمّا سأله عمرُ رضي الله عنه لمَ لم يفرّ مع رفاقه، أجابهُ بكلّ وضوح وثقةٍ : لم أفعل ذنبا حتى أخاف وأهرب وليست الطريق ضيقة فأوسعها لك. هنا تعبيرٌ عن النفس دون عجزٍ وثقةٌ قلّما نجد مثيلها في عصرنا. ولذلك أتذكر عملي على ملف “مشاعر الـطفل واحتياجاته”,وهي مادة متوفرة باللغات الأعجمية بشكل وافر, لكن عند تعريبها استوقفتني دقة المفردات في اللغة العربية والحيرة أمام كمّها الهائل, وفي الوقت نفسه بلغ الحرج مني مبلغاً لا يوصفُ, فأنا لم أدرك معناها من قبل, ولا أجد في قاموسي العامّي ولا من عربيةٍ تلقيتها كلمة تعبر عن الحالة تلك. إنهُ عجزُ لغتي المكتسبة وقصور إلمامي بلساني العربيّ.
ولهذا كانت رحلةُ الضاد ..
رحلة تخبـط وعثراتٍ, وفشلٍ وعجزٍ..
لكنها ما زالت مستمرة إلى الحين, وما زلنا بين الفينة والأخرى نظفر بلؤلؤةٍ وأصداف. فنمضي في طـريقنا موقنين أنّنا على الدّربِ نسيرُ, وأنّ الصبر الذي اكتسبناهُ في الرحلةِ لَهُـوَ حلوٌ طـيبٌ, وأنّ حلاوة الضّادِ التي نتوق إلى الظفر بها يوماَ ما هي عنّا ببعيدةٍ، إن نحن أكملنا المسير وخُضنا البحرَ بهمّةٍ وعزمٍ.
بشرى أم عمر
المقالة الثانية من سلسلة لآلئ الضاد
