نشرت تحت تصنيف مدادُ القلم، أمومة

رمضان في الذاكرة (2)

IMG_20180521_162913_993حل علينا رمضان جديد، وكأن رمضان الفائت لم يمض عليه إلا بضعة أيام.، فالحمد لله الذي سلمنا إلى رمضان ونسأله تعالى التوفيق والهداية والسداد..

هذا العام لم تملأ بيتنا الفوانيس ولم نزين الجدران كعادتنا ولم نُعدَّ أنشطة مسبقا استعدادا لرمضان. لم تتح لنا فرصة لنهيئ ذلك ونعد له.. لم نحدد نوع القصص التي ستحكى ولا الأنشطة التي سنقوم بها ولا الأطعمة التي سنحضر.. بيتنا أشبه ببيت حل عليه عيد على حين غرة فلم يبد احتفاءا ظاهرا، لكن هل من لم يفعل ذلك هو غافل عن الشهر ولم يحس بقدومه؟! أجزم أن لا. وقد قدر لنا هذا الأمر حتى ندرك مغزى ربما غفلنا عنه، وقلت في نفسي سنعيش هذه السنة تجربة تؤكد لنا صحة فرضية.. وحتى أبين المقصد دعوني أعد بذاكرتي إلى الوراء لأحكي لكم حكاية :

قبل عشرين عاما أو يزيد، يحكى أنه كان هناك مدينة صغيرة وجميلة، كل ما فيها أنيق ومتناسق، وكأنها قطعة من الأندلس ببياضها وزخارفها وبعض نخيلها. وكان في المدينة بيت عال يطل على واد وأشجار و قريب منه سوق ومدرسة وجامع..

نشأت في ذلك البيت فتاة صغيرة، قضت طفولتها بين بيت الجدة و المدرسة واللعب في الحي مع قريناتها.

وجرت العادة في كل مناسبة أن تكون الاحتفالات في أبهى حلة.. ففي كل رمضان، هناك مدفع ينطلق لإعلان الهلال ومسحر يوقظ الناس للسحور وصاحب مزمار يظهر مع كل هلال عيد.. أما روائح التوابل والسمن والكرفس والعسل وماء الزهر فهي التي لا يمكن بحال أن يبلغ رمضان بدون وجودها هي وأشكال الخبز المتنوعة والبقلاوة والشباكية ورزة القاضي..

IMG_20180521_153555

وهكذا مرت الأيام، وحكاية الفتاة مع رمضان لا تتجاوز عالما حسيا تلجه عبر الأنف والأذن .. ولما بدأت تعي شيئا فشيئا علمت أن هناك صلاة تراويح وأهم ما فيها جمال صوت الإمام وإن كان يلحن في القراءة أو يغنغن أو يرعد المد ترعيدا..

مر الوقت وكبرت فتاتنا، وبدأت معها التساؤلات عما حولها، كيف ولماذا ومالحكمة من كل ذا؟

وما لبثت ان انتقلت إلى مدينة أخرى حيث لا لمة الأحباب حول المائدة ولا أجواء الحي واحتفاءاته، لكن رمضان ظل كما هو والهلال معه علامة عليه.

ثم هاجرت بعد لتعيش في بلد بعيد، حيث لا أذان ولا مسحر ولا رائحة سمن ولا صبية يلعبون في الشارع قبيل المغرب.. فهل تراه حقا اختفى رمضان وقل بريقه؟!

طبعا لا، فما زالت التروايح تقام في المساجد وما زال الهلال يتوج السماء ببهائه، فمالذي جرى يا ترى؟!

لقد تعودت أن تستشعره من مواد محسوسة ومن أجواء يخلقها الآخرون كي تميز رمضان، لقد تعودت على استقبال المؤثرات الخارجية التي توحي لها بقدومه لكنها لم تتعود على تهييء جو خاص بها نابع من استشعارها لعظمة الشهر الفضيل.

والأولى من هذا أن المغزى من صوم رمضان كان غائبا، فلكأنه إلى عادة متوارثة وطقوس أقرب منه إلى عبادة.

وهكذا.. اهتزت صخرة أطلس التي غطت بثقلها على اللاوعي في الذاكرة وحجبت نور الحق عنه، صخرة العادات والماديات وعالم الحواس..

فلما صار عندها أطفال، قررت أن تربط ذهنهم في رمضان برؤية الهلال قبل كل شيء، وبفطور التمر والماء قبل كل طبق شعبي تتوارثه الأجيال، وبالقرءان يتردد في أرجاء البيت أكثر من أي وقت مضى..

ولم تجد خيراً من أن تربطهم بآية يستشعرون بها قدوم رمضان، فهو خير لهم من صوت طبلة المسحر وتردد صداها عبر الأزمان في أكناف اللاوعي

” شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه

فما خير من أن يعرفوا الصوم كركن من أركان الإسلام وكعبادة فرضها الله على عباده. فهنا الحكمة وهنا المغزى من شهر للصيام.

“يأيها الذي ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون”

وما خير من أن يتخيلوا رمضان متصلا بالذكر والتعلم عن دينهم وقضاء وقت أطول مع القرءان خارج المطبخ والتعلق بالطعام.

وما خير من أن يستحضروا معاني العطاء والصدقة والإحسان إلى الجيران والأهل..

وبعد كل هذا ظلت تحكي لهم كل مساء حكاية عن رمضان في بلد من البلدان، ذات زمان ☺️” اهـ

وستظل الحكاية تتجدد كل رمضان، ما بين اتباع أثر خير البشر وهجر سائر الصور التي لا تنفع ولا تضر.

وفقنا الله جميعا إلى ما يحبه ويرضاه.

بشرى أم عمر

أفاتار غير معروف

المعلق:

من مولود يولد على الفطرة إلى إنسان ينشأ في أحضانها و يترعرع.. الفطرة لنا حياة و أسلوب .. فلنسر في دربها !

أضف تعليق